الصلاة لأجل النماء الإنساني … وبناء عالم أفضل

إذاً قلنا فيما سبق – ونحن مازلنا نتكلم منذ تدوينتين عن أول فكرة في كتاب “كيمياء الصلاة” للدكتور أحمد العمري – أن “الطريقة التي تنظر بها إلى الصلاة، فكرتك عن الصلاة، هي المسؤولة عن أثر الصلاة في حياتك، وتجلياتها وجدواها ..” بمعنى آخر … فإنك لن تحصل من وراء صلاتك على أكثر مما تتوقعه … فإذا ما بحثنا عن نتائج تفاعل معادلة الصلاة أعتقد بأن ذلك سيدفعنا للتفكير مجددا فيما نفعل …

فكرة “الصلاة ككفارة ..”

أولها، فكرة أن الصلاة تكفر الذنوب التي تحصل بين أوقات الصلاة، وهي الفكرة التي تستمد من حديث (والصلوات الخمس والجمعة إلى الجمعة كفارات لما بينهن من الخطايا ما لم تغش الكبائر ) ·و لا جدال طبعا في صحة الحديث. و في ارتباطه الموضوعي ايضا بآية “الحسنات يذهبن السيئات” لكن هناك طبعاً نقطتان: أولهما أن لفظة الكبيرة المستثناة من التكفير قد رسخت في أذهان الناس بطريقة معينة ترتكز حول عدد محصور من الكبائر (معروفة طبعاً وتدور حول الزنى والخمر وربما الربا..).. لكن هذا الفهم على الرغم من رواجه ليس صحيحاً تماماً، فالصلاة إلى الصلاة لن تكفر عنك أن حياتك كلها تضيع عبثاً، سدىً، دونما هدف.. حتى دونما محاولة إيجاد هدف.. دوماً نعتقد أن الكبائر هي بالضرورة “فعل” فاحش.. بينما هي أحياناً “لا فعل” على الإطلاق.. ربما أكبر الكبائر (أكبر حتى من الزنى!!) أن لا تفعل شيئاً على الإطلاق في حياتك.. أن تأتي إلى هذه الأرض وتمضي دون أن تترك أثراً إيجابياً واحداً يدل على أنك مررت من هنا.. دون أن تجعل العالم أفضل مما كان يوم جئت إليه.. أو على الأقل حاولت ذلك.. شيء كهذا، لا يمكن مسحها بمجرد أداء الصلاة.. لأنه لا يندرج ضمن صغائر الذنوب..
ثانيها – أن الصلاة إلتى تكفر ما يحدث بين الصلاتين، تكفر ما يحدث سهواً، أي كأي حدث عابر لا تخلو منه تجربة إنسانية، إما أن يكون هذا نمطاً معتاداً للسلوك، وإن نتوقع أن الصلاة نمطاً معتاداً للسلوك، وإن نتوقع أن الصلاة ستقوم بهذا الدور، فهذا يعني نخدع أنفسنا قبل أي أحد آخر.

و الشئ ذاته يخص مفهوم الحسنات و السيئات:من قال ان الاية الكريمة تتحدث عن الاستمرار في اداء السيئات من اجل ان حسنات الصلاة ستمحيها؟ من حدد هذه السيئات و حجمها – من التي يمكن ان تمحوها الصلاة؟
وللأسف، فإن هذا الفهم، الذي يستخدم الصلاة من أجل الاستمرار في الذنوب، هو فهم سائد جداً.. وينتشر للأسف، عن غير قصد، عن طريق بعض الوعاظ على المنابر، عندما يريدون ، عن حسن نية ، أن يروجوا لأداء الصلاة. فيقومون بالترويج دون شعور منهم، للذنوب التي من المفروض ان الصلاة ستكفر عنها.. و هكذا فأن الحديث عندما يوظف من أجل عدم التوقف كثيراً عند أخطاء السهو، يختلف تماماً عندما يتحول إلى عكازة للاستمرار في الذنوب..

فكرة “اسقاط الفرض”

ثاني هذه الاحتمالات هي فكرة “إسقاط الفرض” الرائجة جداً دونما سند من نص شرعي.. وهي الفكرة التي يقوم على أساسها البعض “بأداء” الصلاة – على أي حال، من أجل “النفاذ” من عقوبة عدم أدائها، وهم يعلمون ضمناً – أنهم سيحاسبون على أمور أخرى تخص الصلاة، وقتها، خشوعها، تمام أركانها، لكنهم، على الأقل يؤدونها، ويسقطون بذلك” عقوبة تركها”..
يكرس هذه الفكرة قراءة “تجزيئية” لنصوص عديدة، من الأحاديث الصحيحة بلا شك، ولكنها تعامل مرة أخرى بمعزل عن الصورة الأكبر التي تضم كل النصوص وتجمعها ببعض.. فحديث “أول ما يحاسب عنه المرء الصلاة” يعامل كما لو أن الصلاة التي سنحاسب عليها تؤدى بمعزل عن حياتنا و عن المجتمع الذي نعيش فيه ودورنا فيه..
وهكذا فالنظرة التجزيئية الضيقة لهذا الحديث، ولسواه من الأحاديث ستنتج نظرة ضيقة للصلاة وأدائها، تحث على أدائها “الفيزيائي” لمعزل عن نتائجها اللاحقة..
وللأسف، فإسقاط “الفرض” ، الذي يتم بهذا الأداء المجرد – المروج له دون قصد – يكاد يكون الهدف الأغلب للمصلين: انهم على الأقل يسقطون عقوبة ترك الصلاة – لقد اجتازوا الخط الفاصل بين غير المصلين والمصلين، حسب تصورهم، وهذا بحد ذاته هدف بالنسبة إليهم، لأنه سيخفف عنهم عذاب القبر وأهوال جهنم التي يتوعد بها غير المصلين..
وهم قد أسقطوا هذا.. حسب ما يتصورون..

فكرة “إسقاط الفرض” أيضاً تستند إلى فهم معين للفرائض والعبادات، وكون أداءها “الجسماني – الحرفي” هو المطلب النهائي منها، أي إن العبادات تؤدى من أجل أدائها فحسب. وينتهي الأمر عند انتهاء الأداء منها.. ولا يفترض أن يكون هناك شيء آخر وراء ذلك.. وعلى حسب هذا الفهم للعبادات، يتم فهم عشرات الأحاديث والنصوص، فينظر إليها من خلال هذا المنظار ذي البعد الواحد: الذي لا يرى غير السطح من كل شيء.. فأحاديث نبوية شريفة مثل “خير الأعمال الصلاة على وقتها” – أو “أول ما يحاسب به العبد الصلاة”.. إلخ، ستجير فوراً وفق هذه النظرة الفيزيائية الجسمانية لأداء الصلاة – دون محاولة النظر إلى بقية أجزاء الصورة التي ترسمها النصوص بمجموعها..
وعندما تقتصر النظرة إلى هذا “الأداء المباشر” فإن “الأداء المباشر” سيكون هدفاً نهائياً في رؤوس كثيرين، وإن عرفوا ضمناً أن هناك “أموراً” يجب أن تتضمن في هذا الأداء (مثل التركيز، أو الخشوع)، لكنهم مقتنعون أن مجرد “الأداء” – سيسقط الحساب العسير عن عدم الأداء..
وهكذا فإنهم سيجتازون السؤال الرهيب عن الأداء – ويواجهون بقية الأسئلة.. وسيحلها يومها حلال.. متجاهلين أن “سؤال الصلاة” قد يحتوي على تفاصيل غير متوقعة.. وتخص “ما وراء الصلاة”..”او عمقها”..

فكرة “الصلاة من أجل الراحة النفسية”

ومما لا شك فيه أيضاً، أن الصلاة، كهدف ثالث، يمكن أن تبعث على الراحة النفسية..
أناس كثيرون، سيشعرون بشيء مقلق، يوخز ضمائرهم أو يدق على رؤوسهم، إذا ما فاتتهم صلاة ما، أو إذا ما استيقظوا متأخرين وهرولوا ليلحقوا بعملهم دون أن يؤدوا الصلاة، وسيكون ذلك مزعجاً مثل خشبة صغيرة عالقة بين أسنانك، ليست مؤلمة حقاً – ولكنها مزعجة – ولن تتخلص من إزعاجها إلا بالتخلص منها..
كذلك عدم أداء الصلاة، بالنسبة إلى البعض على الأقل، إنه مزعج لدرجة تجعلهم غير قادرين على مواصلة أعمالهم.. أو المضي إلى النوم..
لذلك فهم يتركون أسرَّتهم، أو ما كانوا يفعلون.. ويصلون..
ثم يعودون.. وقد زالت تلك الخشبة العالقة..
لكن، أليس ذلك نتاجاً طبيعياً للتعود؟ ألن تكون كل “عادة” صعبة عند تركها؟.. ألن يكون ترك عادة تنظيف الأسنان الصباحي صعباً ولو لمرة واحدة؟ وسيظل من أرغم على ذلك منزعجاً يحرك لسانه على أسنانه ذات اليمين وذات الشمال ليتخلص من شعوره ذاك؟..

كل عادة، خاصة إذا كانت قد نقشت على حجر الطفولة، ستؤمن نوعاً من الراحة النفسية عند أدائها، إنها تصير جزءاً من الذات، وسيكون مؤلماً حتماً تركها.. كما أي عادة..
لا أقصد هنا تشبيه الصلاة – ذلك الركن العظيم من أركان الدين – بمحض العادة، ولكني أريد أن أجرد أفكارنا من أوهامها حول الصلاة، فالراحة النفسية التي سيختارها البعض سبباً من أسباب الصلاة، قد تكون (نتيجة) وليست سبباً، نتيجة لتعودنا عليها، ولنشأتنا على ضرورة الصلاة..

فكرة “التواصل معه عز و جل “

ومما لا يمكن نكرانه، أن هناك فئة من المصلين، تستطيع فعلاً، أن تحقق عبر صلاتها تواصلاً ما، معه سبحانه وتعالى، وتلتذ بمناجاته وتجد في الصلاة “كوة” تنسحب إليها من معركة الحياة، وفي هذه الكوة هناك نوعٌ من الأمان والراحة النفسية والتوازن..
هذا لا يمكن إنكاره، لكنها فئة تكاد تكون مهملة إحصائياً..
وحتى لو لم تكن مهملة إحصائياً، فإنه من غير المؤكد، إن الهدف من الصلاة – هو هذا التلذذ الفردي جداً، الشخصي جداً.. هناك حتماً ما هو أهم من ذلك – لكي تكون الصلاة “عماداً” للدين..
وحدّاً فاصلاً بين “الإيمان” و “الكفر”..
لا، ليست “كوة” ننسحب إليها.. لننعم بقليل من السكينة، لا بد أن يكون هناك “شيء” آخر..
يفترض ان تكون “ركنا “..و ليست كوة…

لا يمكن إنكار أن “الصلاة” تبعث على الراحة النفسية والتوازن الداخلي. لكن يمكن – بالتأكيد – مجادلة أن ذلك هو الهدف الأصلي منها.. والأمر هنا يتعلق بما هو أكثر من العبادات، بل بالنظرة إلى الدين “ككل” – فهناك فعلاً نظرة تاريخية، تجعل من الدين وسيلة من وسائل “الراحة” و “السكينة” و “الطمأنينة” بالذات وسيلة تسهل التعايش مع واقع صعب.. ومع كل الاحترام لبعض الأديان التي “وظفت” تاريخياً داخل هذا السياق، فإن هذه الوظيفة لا تنطبق على الدور التاريخي الذي لعبه الإسلام عند ظهوره – فقد كان أي شيء باستثناء “تسهيل التعايش مع الواقع الصعب” – ولو أنه كان كذلك، لبقي المسلمون الأوائل مجرد فئة “صابئة” في مكة، ولما كان أحد سمع بهم، ولما كنت أكتب الآن ما أكتب: أي إن التاريخ كله كان سيسير باتجاه مختلف تماماً..
لا ريب أن “الصلاة” تمد براحة معينة. لكنها راحة تمتزج مع القوة. إنها راحة الشخص القوي الذي أخذ وجبة من الطعام الطبيعي المليء بالفيتامينات والحديد.. وشعر بالراحة المنبعثة من ثقته بنفسه وبقدراته، وليس بالراحة المزيفة التي سيشعرها شخص تناول مخدراً ما أنساه آلامه وأوجاعه وهموم واقعه..
إذا كانت الصلاة تبعث على الراحة، فهي مثل راحة ابن حنبل بمواجهة جلاديه، وابن تيمية ضد سجانيه، وابن رشد بمواجهة خفافيش عصره، وليس مثل راحة شاب عاطل عن العمل يشخر في انتظار الصلاة لكي تساعده الصلاة على تحمل واقع البطالة الذي يعيشه..

فرض و كفى !

وهناك طبعاً الرد الأكثر شيوعاً والأكثر بساطة عندما نسأل عن السبب في الصلاة..
“إنها فرض، وكفى”.. سيكون هذا شائعاً جداً..
وهي فرض بالتأكيد. وليس التشكيك في “فرضية” الصلاة بوارد هنا.. والبحث عن سبب لكون هذه الفريضة بهذه الدرجة من الأهمية، سيكرس أهميتها ويفعلها.. أما عندما تصطدم بهذا الرد “إنها فرض وكفى”.. فأنت تعلم قطعاً أنها صلاة تؤدى من أجل “إسقاط هذا الفرض” وكفى..
كون الصلاة “فرض، وكفى” – يعكس فهماً معيناً يجعل أوامر الشريعة “بلا أسباب”، وإنما هي أوامر وكفى، دونما مقاصد، دونما أهداف.. فقط أوامر علينا أن ننفذها بحرفية “مفرغة” من الفهم..
والنتيجة هي ما نرى.. النتيجة هي كل ما حولنا..)

ثم يناقش العمري حديث الاعرابي الذي جاء الى الرسول الكريم صلى الله عليه و سلم و قال “لا ازيد عن هذا و لا انقص” بطريقة عبقرية جدا بدراسة سياق هذا الاعرابي
(هذا الحديث، الذي يروي هذه الواقعة، وسؤال الأعرابي وجوابه عليه الصلاة والسلام، صار يحتل موقعاً مركزياً، في فكرتنا ليس عن الصلاة، وعن العبادات عموماً فحسب، ولكن عن أنفسنا، وعن رؤيتنا للعالم ودورنا فيه.
كانت واقعة واحدة (وهناك حادثتان أخريتان تشبهانها سنأتي إليها أيضاً) ولكنها أخذت حيزاً أكبر مما يجب في فهمنا ورؤيتنا..
سيقولون: قف عندك !، الرسول عليه الصلاة والسلام قال: أفلح إن صدق.. وهذا بحد ذاته إنجاز كبير كل واحد منا يستحق أن يدفع حياته ثمناً له.. من أجل آخرة فيها الفلاح..
((أفلح إن صدق)) – ليست قليلة أبداً، وارتباط الفلاح هنا بالصدق قد يتجاوز عبارة الأعرابي الأخيرة: لا أزيد عن هذا ولا أنقص – إلى الصدق في جوهر الأداء.. الصلاة.. والصيام.. والزكاة..
رغم هذا، فإن علينا أن نتفحص الواقعة ككل، قبل أن نجعل منها رؤية ثابتة للعبادات، ولأنفسنا، ولعلاقتنا بالعالم كله..

موقع الاعرابي من الاعراب

في غمرة احتفالنا بأننا سنفلح لو لم نزد هن هذا ولم ننقص.. ننسى أن الرجل الذي سأل، والذي كان رد الرسول الكريم موجهاً له – كان له “وضع معين” ربما لا يناسب التعميم الذي تعرض له جواب الرسول الكريم صلوات ربي و سلامه عليه..
بعبارة أخرى، كانت عبارته عليه أفضل الصلاة والسلام، تخص الرجل، ولم يصعد الرسول على المنبر ليقول ما قاله للرجل على الملأ..
وعندما نقل رواة الواقعة الحديث، فإنهم نقلوا لنا أيضاً خصوصية وضع الرجل.. التي ربما ارتبط بها خصوصية الجواب..
أي خصوصية؟ لم نعرف عن الرجل أكثر من كونه أعرابياً!.. بالضبط.. هذا هو.. إنه أعرابي.. وإننا لم نعرف منه أكثر من هذا، هذه هي خصوصية الرجل..

كان الأعراب، أعداءً أساسيين للدعوة الإسلامية، ليس كدعوة جديدة قد يرفضها أي قديم ومكرس فحسب، ولكن لأن جوهر الإسلام يتنافى ويتصادم بشكل مباشر مع حياة البداوة والأعراب.. حياة التنقل في الصحراء دون وجود تنظيم اجتماعي واسع غير رابطة العشيرة التي جاء الإسلام ليفك أواصرها و يعيد صهرها.. كان الإسلام في جوهره “تمدناً” وتكريساً لقيم المدينة بكل ما تعني من استقرار وبناء وازدهار.. وكانت البداوة عيشاً على الهامش، على هامش الهامش، ضد أي قيم مدنية.. ضد أي تمدن..
ولأن هذا “العيش على الهامش” كان يأخذ شكل قطع الطريق على القوافل التجارية – وغير التجارية، وكان يرفض الانصياع لسلطة القانون وبالذات لقانون الدولة المركزية الآخذة ببسط سيطرتها بالتدريج، فقد كانت البداوة هي بمثابة عدو رئيسي على التمدن الديني أن يزيحه.

ولهذا، فإن المعايير التي كانت ستوجه نحو الأعراب، هي مختلفة بطبيعة الحال عن المعايير التي توجه لغيرهم، من سكان المدينة أو مكة أو الحواضر الرئيسية وما حولها..
فالمعيار الأساسي مع الأعراب هو “كف أذاهم”، هو تحييدهم عن كونهم عقبة بوجه المسيرة، ولذلك جاءت الآيات الكريمة منددة بالأعراب عموماً {الأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً} [التوبة: 9/97]، {قُولُوا أَسْلَمْنا وَلَمّا يَدْخُلِ الإِيمانُ فِي قُلُوبِكُمْ} [الحجرات: 49/14] وكذلك الأحاديث الشريفة التي كانت تعد العودة إلى البدو، بمثابة العودة إلى الكفر..
ضمن هذا السياق كله، وعندما يأتي (أعرابي ما) ليسأل الرسول الكريم عليه الصلاة والسلام عن الإسلام، فيتحدث الرسول عن العبادات المفروضة – بطريقة يفهمها هذا الأعرابي، ويتعلم من خلالها انضباط ما كان قد خطر في باله أن يتعلمه.. ويفاوض على أنه “لن يزيد عن هذا ولن ينقص” – فإن هذا بحد ذاته إنجاز مهم لو وضعناه في سياقه الاجتماعي.. إنه أعرابي!.. ينتمي إلى تلك الفئة التي هي أشد كفراً ونفاقاً، المتمردة على أي انضباط، التي تعيش على السلب وقطع الطريق.. وعندما يأتي ليسأل عن الإسلام – ويعلن أنه سيلتزم ببنود الطاعة المفروضة “بلا زيادة ولا نقصان” – فإن هذا كله سيفسر ما قاله الرسول الكريم، الذي هو أصدق من قال: “أفلح إن صدق”.. فمجرد انتقال الرجل من طور البداوة إلى طور آخر.. عبر إعلانه الالتزام بالفروض المكتوبة: يستحق أن يكون فلاحاً مثمراً.. إن صدق..

فلنتذكر هنا كيف وصف الحديث الرجل: “أعرابيٌّ”.. لقد بقي مجهولاً، ربما كان صدق، وربما لا، لا نعرف، وسيبقى علم ذلك عند الذي يعلم ما في الصدور، لكن المؤكد أن الرجل ظل مجهولاً، لم نسمع عنه شيئاً بعدها، ولو كان قد فعل شيئاً لكان ذلك “علم” عند الصحابة ورواة الحديث وذكروا اسمه..

لكنه لم يحدث..

ولن نتوقع من شخص قال إنه “لن يزيد عن هذا ولن ينقص” أن يترك أثراً ما لاحقاً..

لكننا لا نعرف شيئاً عن هذا..

صار الاعرابي قدوتنا

الذي حصل معنا، أننا تعاملنا مع الحديث، بالذات مع شرح الرسول الكريم للأعرابي، و مع جملة الأعرابي الختامية وتعليقه عليه الصلاة والسلام عليها، بمعزل تام عن كل السياق.. سياق أن الرجل أعرابي، وأن المعايير التي ستوجه له ستكون أدنى وأقل، لأن تحييده من دوره التقليدي كأعرابي هو بحد ذاته منجز مهم..

الذي حصل معنا، أننا ضربنا السياق بعرض الحائط، وجعلنا من هذا الأعرابي المجهول قدوة لنا، عبارته التي لا تخلو من خشونة في حضرة النبي الكريم “والله لا أزيد عن هذا ولا أنقص” صارت بمثابة هدف أعلى لنا وإن كان غير معلن.. لكننا ضمنا نمارسها، نتصور أن الفلاح ماكث بانتظارنا عند عدم الزيادة وعدم النقصان كما لو أن معيار الأعرابي يصلح لكل زمان ومكان، كما لو أن الصحابة كلهم – وهم الذين بنوا العالم الجديد على أنقاض العالم القديم المتهاوي.. قد طبقوا معيار “اللازيادة واللانقصان” وفهم الإسلام على أنه فقط أداء عبادات..
لو أن ذلك الجيل – الذي قاد العالم – قد فهم ما فهمه الأعرابي.. وقرر ما قرره الأعرابي.. لما كان قاد العالم أصلاً، لأنه كان رضي، منذ البداية، بأقل القليل.. بالحد الأدنى من الأمور.. بالحد الذي بالكاد يجعلك تنجح..
لو أن هذا الجيل كان كله مثل ذاك الأعرابي، لما كان صار ذلك الجيل بالأساس.. ولما كان قاد العالم.. وربما – مرة أخرى – لكان التاريخ تغير.. وسار في طريق آخر..
لكن ذلك الجيل، لم يفهم الأمور، ولم يأخذها كما فعل ذلك الأعرابي..

أما نحن، فقد فعلنا.. وانتهى بنا الأمر، كما انتهى بالأعرابي، بأن نكون “مجاهيل” – “نكرات”.. لم نفعل شيئاً يدخلنا التاريخ، بل بقينا على هامش الهامش، كما ذلك الأعرابي – الذي هو أفضل منا ضمن سياقه، لأن المطلوب منه كأعرابي كان هذا لا غير – أما نحن، فقد “اخترنا” أن نعكس السياق وندخل ضمن طور هو أشبه بطور البداوة..
لقد اخترنا فهم “أعرابي ما”.. وجعلنا جملته الفظة شعاراً لنا..
وانتهينا كأمة من الأعراب.. على هامش الهامش..صرنا انصاب تذكارية لذلك الاعرابي المجهول..

بعده ينتقل المؤلف مجددا الى ان شعائر الدين الخاتم لا بد ان تتميز عن شعائر سائر الاديان و التي قد تمنح السكينة و الهدوء و الروحانية فعلا اما شعائر الدين الخاتم فلا بد ان تتجاوز ذلك الى المساعدة في تحقيق الهدف من وجودنا على الارض…

هنا يقدم العمري ربطا عبقريا بين سورتين قصيرتين هما الكوثر و التكاثر ..لنصل بعدها الى مفهوم الصلاة باعتبارها وسيلة للنماء الانساني…

نهر الخير : المنبع من الداخل

سورة قصيرة جداً، عشر كلمات فقط، في ثلاث آيات فقط، هي حتماً أقصر سورة في القرآن الكريم..
إنها سورة الكوثر طبعاً، التي يحفظها أصغر الصغار، فيها ذلك فعل الأمر الوحيد، لذلك الحد الفاصل بين الكفر والإيمان..
الصلاة..
لم يرد فعل الامر بالصلاة بهذا الشكل المباشر الا مرة واحدة ( صل) في سورة الكوثر – اما سائر الايات فكانت تامر بأقامة الصلاة.
السورة مكية مبكرة، وتحتل الرقم الخامس عشر في ترتيب النزول.. وتليها فوراً سورة التكاثر في تلاحم ملفت.
لننظر.. فالتكاثر والكوثر مشتقتان سوية من الفعل كثر، ولكن “التكاثر” شيء، و “الكوثر” شيء آخر.. تماماً..
والتكاثر، الذي ورد في معرض الذم، ينتهي، في خاتمة السورة بالمقابر، في اشارة واضحة على الهباء الذي تنتهي له معظم عناصر فعل المكاثرة..
أولئك المكاثرون، الذين يقضون حياتهم في التكاثر، في مراكمة الأموال والبنين والأشياء من حولهم – ويتصورون أن هذه المراكمة هي المقياس الوحيد للنجاح – هي المقياس الوحيد للاستمرار.. إنهم يعتقدون أن هذه الأشياء (سواء كانت محض ثروة مادية، أو ممثلة في بنين يحملون أسماء آبائهم) ستضمن لهم الاستمرار.. أو الخلود بطريقة أو بأخرى..
وتقع المواجهة بين التكاثر والكوثر، عندما يعير واحد من المكاثرين، الرسول الكريم، بكونه بلا أولاد ذكور، وهذا حسب مفهوم (التكاثر) – ومجتمعات التكاثر – يعني أنه سيكون أبتراً: بلا نسل..
لكن (للكوثر) منطقاً آخر، فالاستمرار فيه لا يقاس بما يتراكم من أموال وأشياء وبنين أو بنات.. والمقياس فيه ليس للكثرة الكمية التي قد تحوي ضمن ما تحوي السم الزعاف والأمراض والفساد، بل القياس فيه للنوع.. وليس للكم..
ولذلك فإن ذلك الشخص المكاثر، الذي قال ما قال، انتهى كنكرة، انتهى بلا ذكر، حتى لو كان قد أنجب عشرة من الذكور..
أما ذاك الرجل الذي عيره بعدم الإنجاب، الذي لم يكن قد راكم ما يتكاثرون به، – عليه الصلاة والسلام – الذي لم ينجب ذكوراً يحملون اسمه -!- فإن ذكره اليوم، بعد قرون طويلة، غطى حرفياً، كل أرجاء المعمورة..
شخص ما، لا نعرف اسمه اليوم، كان قد عيره بأنه مقطوع النسل!.. شخص ما، بدا آنذاك، حسب مقاييس التكاثر، أنه أكثر نجاحاً منه عليه الصلاة والسلام..
لكن للكوثر، مقاييس أخرى..
معيار آخر للكوثر..
بينما التكاثر يعتمد على مراكمة أشياء وزيادتها دون حساب “للقيم” المحتواة فيها..
فإن للكوثر مقياساً آخر يجعله زيادة في الخير فقط.. إنه “الخير الكثير” كما فسَّرها ابن عباس وغيره..
بعبارة أخرى: التكاثر، هو الكثرة فقط، مراكمتها كيف كانت، أرقام بيانية تصعد، ولو كان صعودها سيؤدي إلى الهاوية..
أما الكوثر، فليس “الصعود” محسوباً إلا إذا كان سيؤدي إلى تحقيق رقي في القيم الإنسانية..
وبعبارة أخرى: التكاثر، وقيم التكاثر، تهتم (كمثال) فقط لزيادة الدخل القومي والاستهلاك ومعدلات الفائدة في البنوك – وتعد ذلك مؤشراً على “التنمية”..
أما مع الكوثر: فالمهم هو الإنسان – علاقته مع نفسه، مع ما حوله من مجتمع مع الثوابت من قيمه، مع الله كمصدر أعلى ونهائي لهذه القيم..
مع التكاثر: زيادة الدخل الكلي هو هدف بحد ذاته، حتى لو كان توزيع هذا الدخل يصعد من الهوة بين أغنى الأغنياء، وأفقر الفقراء، ويزيد من التوتر الاجتماعي..
مع الكوثر – الزيادة هي زيادة الخير فقط.. هي تكثير الخير..
إنه الفرق بين التنمية – كخطوط بيانية تتحدث عن أرقام مجردة..
وبين النماء الإنساني.. همه الإنسان وقيمه..

ولقد استقرت كلمة الكوثر، في تفسيرات السلف، وفي أذهان المسلمين، على أنها نهر عظيم في الجنة، أعطاه الله عز وجل، وهو أعز من أعطى، لمحمد عليه الصلاة والسلام، الذي هو أعز من أخذ..
ولا فرق حقيقة بين المعنى اللفظي المباشر للكوثر – الخير الكثير، وبين كونه نهر عظيم في الجنة.. وقد جمعت السيدة عائشة بين الأمرين في فقهها العقلاني المميز، فقالت: إن الكوثر نهر في الجنة، من الخير العظيم الذي أعطاه الله عز وجل لرسوله الكريم.
إذن نحن هنا، أمام مفردة قرآنية كريمة، لها مقابلان واحد دنيوي، والآخر أخروي.. الدنيوي هو الخير الكثير بكافة معانيه.. والأخروي، هو ذلك النهر العظيم في الجنة..
إذن نحن أمام رمز هائل يجسم معنى الكوثر: النهر العظيم.. والنهر هو دوماً رمز للحياة.. وللخصب.. وللعطاء.. إنه الذي تبني عليه الأمم أعظم مراكزها الحضارية.. كل الحضارات العريقة بنت مواطنها على أحواض الأنهار، وبالنهر أيضاً يمكن للصحراء اليابسة أن تتفجر حياةً، به أيضاً يمكنك أن تولد الطاقة.. أن تنير الظلام..
النهر رمز متجدد للحياة.. واسمه هنا الكوثر.. ويقابل هذا الرمز، مرة أخرى، على الضفة الأخرى من المعاني، رمز آخر، يرمز للتكاثر المادي الفارغ من المعنى الذي يتلهى به بعض البشر.. إنه المقابر.. {أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ (*) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقابِرَ} [التكاثر: 102/1-2]..
فمقابل ذلك النهر العظيم الذي يرتبط بمعاني كثرة الخير والنماء الإنساني، هناك “المقبرة”: رمز رهيب لتكاثر هو في حقيقته – وعلى مقياس القيم – محض هباء..

ما علاقة كل هذا بما كنا نقوله، الصلاة؟..

ليس بالصدفة أبداً، أن ترتبط المرة الوحيدة التي فيها لفظ “صلِّ” بذلك النهر العظيم، رمز الحياة الحقيقية وتدفقها..
ذلك أن هذه “الصلاة” هي وسيلتنا للوصول إلى ذلك النهر العظيم، نهر الحياة..
الآية الكريمة تقول: {إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ (*) فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَانْحَرْ} [الكوثر: 108/1-2] العطاء تم فعلاً، لكن وحدها الصلاة، هي وسيلتنا للوصول إلى ذلك “الخير الكثير”، لا شيء يجلينا عما نحن فيه، عن أنفسنا، للوصول إلى نهر الحيوية الدافقة، غير “الصلاة” – الصلاة بمعناها الأعلى، بمعناها الذي أمر بها – ككتاب موقوت – من أجله.. وليس بمعنى الحد الأدنى – معنى السقف الواطئ – معنى “لا أزيد ولا أنقص”..
لا شيء يأخذنا، إلى ذلك النهر، الذي يمكنه أن يحول صحراء حياتنا حقولاً زاهرة، ويحول الظلام من حولنا إلى نور مشع.. غير تلك الصلاة..
الصلاة كعملية مستمرة
ولا يمكن أن يكون ارتباط نهر الحياة الذي تأخذنا إليه الصلاة، مجرد افتراض..
ذلك أن الذي لا يكذب أبداً، عليه الصلاة والسلام، قد قال: ((مثل الصلوات الخمس في اليوم والليلة، مثل نهر جارٍ عذبٍ بباب أحدكم، يغتسل منه خمس مرات في اليوم، فهل يبقى من درنه من شيء؟)).. إنه النهر مجدداً – والصلاة أيضاً..
(الحديث) لو قرأناه بعين تعودت على اعتبار الصلاة مجرد غسالة للذنوب التي نرتكبها بين أوقات الصلاة.. لوجدنا فيه تكريساً لذلك.. لكن لو حاولنا النظر إليه من زاوية أبعد، لوجدنا أن الرسول الكريم لا يتحدث عن (أدران) ما بين الصلوات التي تزيلها الصلاة كلما أديت، بل عن عملية مستمرة – عن (الصلوات الخمس) ككل؛ عن المداومة عليها، باعتبارها ستزيل الأدران، وتجلوك، درناً تلو الآخر، إلى أن يظهر معدنك الأصيل.. وقد زالت عنه أقنعة الأدران.. الحديث هنا، ليس عن عملية تكفير ذنوب، يتم فيها تصفير الذنوب مع كل صلاة، وبعدها نعود للذنوب، ومن ثم نعود للصلاة، ويعاد التصفير.. وهكذا دواليك..
الحديث عن عملية تفاعل مستمرة، مع ذلك النهر – الصلاة، يجلي فيها أعماقك، وصولاً إلى أفضل ما عندك، أفضل ما يمكن لك أن تفعله..
الحديث عن “هل يبقى من درنه شيء؟” لا يتحدث عن ذنوب هنا وهناك، بل عن جذور تلك الأدران – عن اقتلاع تلك الجذور – عن الصلاة باعتبارها وسيلة تجعلك تتكوثر: بمعنى أن تزيد الخير في داخلك.. تنمي الخير في داخلك..

عن الصلاة كوسيلة للنماء الإنساني..

هل ستقوم بقراءة السلسلة إذاً ؟

العناصر الأخلاقية في شخصية العالم

أسوق لكم اليوم الجزء الأخير من ملخص كتاب “التفيكر العلمي”، حيث يتحدث الكاتب اليوم عن العناصر الأخلاقية في شخصية العالم، وأرد في نهاية التدوينة عن فكرته بأن الكون لا يسير وفق غايات وأغراض محددة …

[ المعالم الكبرى في طرق العلم ]
الدرس العظيم الذي قدمته الحضارة الإسلامية وهي في اوج عظمتها : التفاعل بين الثقافات هو الدافع الأول إلى تقدم العقل البشري، فلم يخجل المسلمون في عصرهم الذهبي من استيعاب علوم الثقافات الأخرى الأقدم منهم عهداً بل كان في ذلك نقطة انطلاق لهم.

[ شخصية العالم ]
وهنا نتحدث عن مجموعة من الصفات التي يشترك العلماء في الكثير منها والتي تكّون في مجموعها كياناً متميزاً يستحق أن نطلق عليه اسم شخصية العالم، مع الإنتباه إلى وجود الإستثناءات دائماً من علماء قد لا يملكون في شخصيتهم صفة أو أكثر مما سيأتي لأن الأمر أبعد ما يكون عن القوالب المتشابهة، كما أن وجود هذه الصفات لا يجعل من المرء عالماً بطريقة آلية، فهذه الصفات تكّون الحد اﻷدنى الذي لوحظ أنه موجود عند عدد كبير من العلماء.
(العناصر الأخلاقية في شخصية العالم)
ولا نتحدث هنا عن أخلاق العالم ومسلكه اليومي في حياته، بل نتحدث عن الجانب الأخلاقي الذي يمس عمله كعالم سواءا بشكل مباشر أو بشكل غير مباشر، وأولى هذه الصفات “الموضوعية” وهي كلمة شديدة التعقيد يدخل فيها بتداءا معنى “الروح النقدية” أي أن لايتأثر بالمسلمات الموجودة أو الشائعة وأن ينقد نفسه ويتقبل النقد من اﻵخرين. فأهم مايميز العالم قدرته على أن يختبر اﻵراء السائدة سواء على المستوى الشعبي العادي أو في الأوساط العلمية أو كليهما معاً، بذهن ناقد، فلا ينقاد وراء سلطة القدم أو الإنتشار أو الشهرة ولا يقبل إلا ما يبدو له مقنعاً على أسس عقلية وعلمية سليمة.
وهذا لا يعني أن يقف المرء موقف العناد المتعمد من كل ما هو شائع، بل يعني إختبار الآراء الشائعة والعودة إليها في حال اجتازت الإختبار أو التمسك بموقفه الجديد بكل ما أوتي من قوة تصميم في حال تكشف له زيف الرأي الشائع.
وكما ينقد العالم آراء اﻵخرين عليه أن ينقد نفسه ويعترف بخطأه كلما تكشف له ذلك، وأن يقبل نقد اﻵخرين له.
واننا في عالمنا العربي بأحوج ما يكون إلى هذا الضمير النقدي الذي لم يتبلور بعد في أوساطنا العلمية ، لذا فعلينا أن نقرأ لبعضنا البعض وأن ننقد بعضنا البعض.
وثاني هذه الصفات “النزاهة” وهي أن يمارس العالم عمله وقد طرح مصالحه وميوله واتجاهاته الشخصية جانباً وأن يعالج الموضوع بتجرد تام. لذلك تكون وسيلة إقناع العالم الوحيدة هي البرهان (سواءا التجريبي أو النظري) وهذا البرهان يفرض نفسه على أي ذهن لديه القدرة على فهم الموضوع واستيعابه. وهذا يختلف كلياً عن الطريقة التي نقنع نحن بها الناس والتي تعتمد على البلاغة اللفظية واللغة الإنفعالية والتلاعب بعواطف الناس واستثارتها أو إغرائهم ومخاطبة ميولهم ومصالحهم.
ومما يدخل في معنى الموضوعية بالإضافة إلى الروح النقدية والنزاهة هي سمة “الحياد” أي أن لا ينحاز العالم مقدما إلى طرف من أطراف النزاع الفكري أو الخلاف العلمي، فهو يعطي كل اﻵراء المتعارضة حقها الكامل في التعبير عن نفسها، ويزن كل الحجج التي تقال بميزان يخلو من الغرض، وعندما ينحاز أخيراً فلا بد أن يكون انحيازه مبنياً على تقدير موضوعي بحت.
كما أن العلم ذاته محايد بين الخير والشر، فالعلم أداة تتيح للإنسان أن يفهم العالم المحيط به وأن يفهم نفسه على نحو أفضل ومن ثم فهو يزيد في قدرته على السيطرة على عالمه الخارجي وعالمه الداخلي، ولكن هذه القدروة محايدة بمعنى أنها لا تعدو أن تكون طاقة أكبر قابلة للتشكل في اتجاه الخير أو اتجاه الشر.

[ تعقيب ]
رفض المؤلف في كثير من المرات فكرة أن الكون يتجه نحو غائية معينة، أي أن لكل ظاهرة كونية غرض وغاية معينة تعمل على أدائها، وكلامه هذا مرفوض بتاتاً، لأننا نؤمن بأن الكون وما فيه “مسخر” لنا، وبالتالي هو يتجه لخدمتنا وتحقيق غايات معينة لنا، وان كنت أقول بإعتقاد أن التفسير الحقيقي لهذه الظواهر الكونية لا يكمن فقط في هذه الأغراض والغايات. وإنما يجب أن نسبر هذه الظواهر لإكتشاف الأسباب الفاعلة لها.
يقول المؤلف رافضاً فكرة الغائية “‫نحن قد وجدنا المطر بالفعل ثم اكتشفنا بالتجربة فائدتـه فـي ري الـزرع‬ ‫فخلقنا هذه الغاية له، أما المطر ذاته فكان سيسقط سواء روينا به زرعنا أم‬ ‫لم نروه. وقس على ذلك بقية الحالات‬”، وهذا الكلام مردود من قبل علماء كثر، ولعلي هنا أستعيض عنهم بكلام رب العزة إذا يقول “وَأَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَّكُمْ” وأيضاً “وَهُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ” وهنا “يُنَزِّلُ عَلَيْكُم مِّنَ السَّمَاءِ مَاءً لِّيُطَهِّرَكُم بِهِ” وأيضاً “هُوَ الَّذِي أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً لَّكُم مِّنْهُ شَرَابٌ وَمِنْهُ شَجَرٌ فِيهِ تُسِيمُونَ” وأخيرا “وَاللَّهُ أَنزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا” فالغايات واضحة وضوح الشمس في رائعة النهار، وقس على ذلك بقية الحالات.
ويقول المؤلف بأن التفسير الغائي تفسير متناقض فأحدهم يعتقد بأن المطر ينزل ليروي مزروعاته واﻵخر يظن أنه ينزل ليروي ظمأه، إلا أنني لا أرى تناقضاً في ذلك بل تكاملاً، مع أنني أؤكد في الوقت نفسه على أهمية البحث عن الأسباب الفاعلة وعدم الإكتفاء بالتفسير الغائي للظواهر. إن وجود خالق لهذه الظواهر (منزه عن العبث) ومسبب لهذه الأسباب يقتضي وجود الغايات من وراء هذا الكون.

رابط تحميل الكتاب

خمسة عقبات تقف في طريق التفكير العلمي

نتابع ملخص كتاب (التفكير العلمي) الذي بدأنا به البارحة …. وبالنسبة لتكملة ملخص كتاب كيمياء الصلاة فسيكون خلال اليومين القادمين إن شاء الله …

ما هي العقبات التي تقف في طريق التفكير العلمي ؟

(1) الأسطورة والخرافة:
والأسطورة كانت تقدم (في العصور التي لم يكن للعلم وجودا فيها) تفسيراً كاملاً للعالم والطبيعة والإنسان والكون، وتمتاز بالإتساق الداخلي، أم الخرافة فهو الأسلوب المتبع في العصور التي يكون فيها للعلم وجوداً لتفسير ظاهرة جزئية معينة بطريقة غير علمية تماماً، وهي بذلك قد تعترض مع خرافة أخرى.
التفكير الخرافي تنجح نتائجه مرة وتخفق عشرات المرات مع جميع الظواهر التي يتناولها، بخلاف العلم الذي ما إن يتناول ظاهرة معينة ويدرسها ويستنبط أسبابها ونتائجها حتى تكون ظاهرة مفهومة مضمونة النتائج.
وما زال للخرافة نصيب كبير في مجتمعاتنا من قبيل قراءة الأبراج والتشاؤم من الرقم 13 والنقر على الخشب والإهتمام بالحوادث الخارقة للطبيعة. وفي اعتقاد المؤلف أن المحرك الأساسي وراء تبني الخرافة وانتشارها هو الشعور بالعجز، فعندما يشعر الإنسان بالعجز عن فهم القوى المتحكمة في مسار حياته وتسوده نظرة سوداء للمستقبل فإنه يلجئ للخرافة حتى لو كان متعلما مثقفا.

(2) الخضوع للسلطة:
السلطة هي المصدر الذي لا يناقش، والذي نخضع له بناء على إيماننا بأن رأيه هو الكلمة النهائية، وبأن معرفته تسمو على معرفتنا.
وأول عناصر السلطة هو أن يكون الرأي قديماً. فاﻵراء الموروثة عن الأجداد يعتقد أن لها قيمة خاصة، وأنها تفوق اﻵراء التي يقول بها المعاصرون، يكمن خلف ذلك الإعتقاد بأن التاريخ يسير في طريق التدهور. لكن بمقياس التاريخ الحقيقي فنحن أقدم من الأولون، ومعارفنا تتضمن معارفهم وتتجاوزها، ثم ان قدم الرأي لا يعني صوابه على الإطلاق بالضرورة.
الرأي يكتسب أيضاً سلطة واسعة بإنتشاره بين الناس، لذلك نرى من يخالف السائد من القول يحتج عليه بقول : هل أنت أصح من كل هؤلاء؟.
إن البشرية حققت على أيدي من لديه القدرة على خوض المعارك ضد الكثرة الغالبة أعظم إنجازاتها. إن مخالفة السائد يجب ان تتم من قبل ذوي الكفاءة والعمق، لأن هناك من يخالف المنتشر من القول من مبدأ “خالف تعرف” ليكسب الشهرة، وهؤلاء دائماً ما تكون آرائهم ومواقفهم المخالفة سطحية.
الناس يميلون أيضاً إلى تصديق المشاهير. وإلى تصديق ما يرغبون به.

(3) إنكار قدرة العقل:
يهيب الإنسان أحيانا بقوى أخرى غير العقل، كالحدس مثلاً، تكون مرشداً له في ميادين المعرفة، ويعتبر الحدس أكثرها إنتشاراً ويقصد به حصول المعرفة المباشرة للإنسان دون إتباعٍ للطرق والمناهج المعروفة والمؤدية لتلك المعارف، او ورود الفكرة وهبوطها مباشرة على العقل دونما وسائط وخطوات متدرجة. بحيث تنقلنا مباشرةً إلى لب الموضوع وجوهره الباطن.
الكثير من المفكرين يدافعون عن الحدس من حيث هو قوة مكملة للعقل، لا تتعارص معه بل تتوج جهوده وتوصلها إلى نتائجها القصوى، فهم ليسوا خصوماً للعقل، وهذه النظرة لا تشكل عقبة في طريق التفكير العلمي، أما العقبة الحقيقية فتتمثل في أولئك الذين ينكرون دور العقل ويتحدثون عن عجز العلم من الوصول بنا إلى معرفة حقيقة الأشياء.
إن قصر العقل وعجزه في الوقت الراهن عن حل الكثير من المشكلات لا يعني أن العقل في ذاته عاجز. لقد حقق الإنسان منذ عصور تحرر العقل من القيود التي كانت تكبله عبر التاريخ إنجازات هائلة في مدة زمنية لا تساوي شيئاً بالنسبة لعمر التاريخ، وإن المستقبل يملئنا بأمل لا حدود حول مدى الإنجازات والكشوفات التي سيحققها العقل.
وصحيح بأن العقل يجهل الكثير ويعجز عن الكثير لكنه أفضل أداة يملكها الإنسان، وحسبنا أن نقارن بين وتيرة التطور الهائل في القرون الأربعة الماضية، وهي العهود التي استخدم فيها الإنسان عقله لبلوغ المعرفة وبين القرون السبعة عشرة التي سبقت ذلك والتي كانت أداة المعرفة المستخدمة فيها واحدة من تلك التي يدعو خصوم العقل اليوم إليها، حسبنا أن نجري هذه المقارنة لكي ندرك أن قضية إنكار قدرة العقل قضية خاسرة.
نحن لا نبخس قيمة الحدس،و لكن بشرط ان يكون في سياقه الصحيح،فحين أكون بصدد تجربة شخصية (صداقة أو حب أو غيرهما) يكون الحدس عنصراً أساسياً في معرفتي باﻵخر، أيضاً في سياق التجارب الشعرية والفنية والإبداعية، ولكن ليس في سياق المعرفة العلمية.
الإنسان يحتاج إلى العقل والى العاطفة ولكن كلٌ في سياقه، والخطأ يبدأ عن محاولة التفاضل بينهما.

(4) التعصب:
وهو إعتقاد باطل بأن المرء يحتكر لنفسه الحقيقة والفضيلة وبأن غيره يفتقرون لها، وهنا لا يهتدي الإنسان إلى ذاته ولا يكتشف مزاياه إلا من خلال إنكار مزايا اﻵخرين.
والمتعصب لا يفكّر فيما يتعصب له، بل يقبله على ما هو عليه فحسب، وهنا تتمثل خطورة التعصب من حيث هو عقبة في وجه التفكير العلمي، فالمتعصب يلغي التفكير الحر والقدرة على التساؤل والنقد ويشجع قيم الخضوع والطاعة والإندماج مع الجماعة أو الطائفة التي ينتمي لها.
لذلك نجد أن من سمات التعصب أنه موقف لا تختاره بنفسك بل موقف تجد نفسك فيه.
وينتشر التعصب لما يؤمنه من راحة نفسية بدلا من المعركة القلقلة التي تنشب في نفوسنا حين نستخدم عقولنا بطريقة نقدية، لكنه راحة قائمة على تخدير العقل، وهي أشبه بعمل الخمور في النفس.
[ حينما يكون العقل هو الحكم بين الناس فلا مجال لتعارض الحقائق مع بعضها البعض ]

(5) الإعلام المضلّل:
الإعلام الذي كان من المفترض ان يزيد من وعي الجماهير ومن معرفتها وثقافتها ويحسن من مستواها التعليمي بات اليوم يعمل على خطين :
الأول هو الترويج للسلع وخلق الحاجة للمزيد منها، وإزالة أي حاجز بين ماهو ضروري وما هو غير ضروري، لقد بات التلفاز اليوم يعيد تشكيل الإنسان من جديد، ليكون مستهلكا للسلع وللمزيد من السلع.
الثاني هو الترويج للرأي الواحد، أو الحزب الواحد أو القائد الواحد أو الفكرة الواحدة، وحتى ان بدا إعلاماً متحرراً ليبرالياً فهو يعمل في النهاية لصالح الشركات التي تقوم على تمويله، والتي لها أهدافها التي من تعمل على تحقيقها.

خمسة سمات تميز التفكير العلمي العقلاني.

انتهيت اليوم من قراءة كتاب “التفكير العلمي” للمؤلف فؤاد زكريا، الكتاب مفيد جداً وأنصح الجميع بقرائته لما له من اهمية قصوى في وضع الأسس اللازمة لعملية التفكير العلمي.
وقد قسمت ملخص الكتاب الذي كتبته إلى ثلاثة أقسام، الأول سيكون جوابا على سؤال : ما هي سمات التفكير العلمي ؟

(1) التراكمية :
فالمعرفة العلمية أشبه بالبناء الذي يشيد طـابـقـا فـوق طـابـق،‬‬ حيث أن سكّانه ينتقلون دائماً إلى الطابق الأعلى كلما وجد، بعكس المعرفة الفلسفية، حيث ان كل مذهب فلسفي يتخذ له نقطة بداية جديدة ولا يكمل من حيث انتهى اﻵخرون، لذا فالمعرفة الفلسفية تمتد أفقياً وليس بالضرورة لسكانها أن ينتلقوا إلى طوابق أعلى. ومثل ذلك يقال عن الفن الذي يتمدد أفقياً أيضاً.
‫وتكشف لنا سمة »التراكمية« هذه عن خاصية أساسية للحقيقة العلمية‬، ‫هي أنها نسبية. فالحقيقة العلمية لا تكف عن التطور‬، والنظرية الجديدة قد لا تلغي القديمة بالضرورة أو تنسخها وإنما توسعها وتكشف عن الكثير مما فاتها.
والحقيقة العلمية مطلقة من جهة ونسبية من جهة أخرى، نسبية من أنها تصدق في إطارها الخاص، ومطلقة من أنها تفرض نفسها على كل العقول وتصدق على كل الظواهر.
وكون العلم متغير متطور باستمرار فهذا ليس صفة نقص عليه، لأن هذا يعني أن ثبات العلم يعني كماله، لكن ثبات العلم وتخيل وصوله إلى حده الأعلى يعني موته والتوقف عن الإبداع وحل المشكلات التي لا تتوقف.‫ومجمل القول أن المعرفة العلمية متغيرة حقا، ولكن تغيرها يتخذ شكل‬ ‫»التراكم«، أي إضافة الجديد إلى القديم
والعلم يتمدد رأسياً (ببحث ظواهر تم البحث بها مسبقاً ولكن بالإعتماد على آخر ما توصل العلم اليه من آليات ومناهج) وتمدد أفقي (ببحث ظواهر جديدة لم يكن العلم قد بحث بها مسبقاً).

(2) التنظيم :
عقولنا تفكّر بإستمرار ودون توقف ولكن جزء ضئيل من هذا التفكير يعتبر علمياً،ذلك أن عقولنا لا تفكر بطريقة منظمة وانما بطريقة عفوية كردود أفعال على مواقف نمر بها.
‫أما التفكير العلمي فمن أهم صفاته التنظيم، أي أننا لا نترك أفكارنا‬ تسير حرة طليقة، وإنما نرتبها بطريقة محددة، وننظمها عن وعي، ونبذل‬ ‫جهدا مقصودا من أجل تحقيق أفضل تخطيط ممكن للطريقة التي نفـكـر‬ ‫بها. ولكي نصل إلى هذا التنظيم ينبغي أن نتغلب عـلـى كـثـيـر مـن عـاداتـنـا‬ ‫اليومية الشائعة، ويجب أن نتعود إخضاع تفكيرنا لإرادتنا الواعية، وتركيز‬ عقولنا في الموضوع الذي نبحثه، وكلها أمور شاقة تحتاج إلى مران خاص، وتصقلها الممارس المستمرة. ” ‫فالكون في نظر العلم لا يسير وفقا لغايات‬” [ وسيآتي الرد على ذلك في القسم الأخير إن شاء الله ]
وجود منهج معين سمة أساسية في كل تفكير علمي، بقطع النظر عن ماهية هذا المنهج وتعدده وتغيره بحسب تطور العلم، لكن هناك منهج وهو أساس في التركيبة العلمية للتفكير.
ومن مظاهر التنظيم أيضاً الترابط، حيث ان الحقائق المكتشفة لا توضع بشكل مفكك، وانما تكّون نسقاً مرتبطاً يؤدي فهم الأولى منه إلى فهم الثانية والتي بدورها تقود لفهم الأخرى وهكذا، وعدم امكانية وضع بعض الحقائق المكتشفة حديثاً في نسق مترابط يحتم إعادة النظر في بعض أجزاء هذا النسق أو حتى حذفها.

(3) البحث عن الأسباب:
الفلاسفة تفوقوا على غيرهم في التساؤل والبحث عن الأسباب. معرفة غاية الشيء يجب ألا تجعلنا نقف في سبيل معرفة سببه.
تحدث المؤلف هنا عن فكرة “السببية” هل العلاقة بين السبب والنتيجة عي علاقة إعتياد أو علاقة إضرار ؟ هل إعتدنا أن نرى النتيجة بعيد وقوع السبب فنسبنا الأول إلى الثاني أم أن السبب يدفع النتيجة إلى الظهور ؟ ويبدو لي أن ما ذكره المؤلف من أن الكثير من الظواهر تشارك فيها أحيانا عدة أسباب متشابكة بشكل معقد بحيث يخرج الأمر عن تصور أن الأمر إعتياد بالضرورة. ثم ختم كلامه بقوله أن العلم يتجه حالياً إلى وضع نظرية جديدة في فكرة السببية لا تلغي المعنى القديم بل توسعه.

(4) الشمولية واليقين:
العلم شامل بمعنى أن قضاياه تنطبق على جميع الظواهر التي يبحثها وهو يقيني بمعنى أنه يفرض نفسه على أي عقل يلم بقضاياه.
ولا يقصد هنا باليقين الشعور الداخلي للمرء أنه على صواب، فاﻹنسان كلما ازداد علماً قل حديثه عن “اليقينيات” وكثر استخدامه لمصطلحات مثل “من المحتمل” “من المرجح” “أغلب الظن”، أما اليقين القائم على أساس من الشعور الداخلي فلا يعتد به في مجال البحث العلمي، إن عدم الإطلاع على وجهة نظر الفريق اﻵخر تجعلنا “متيقنين” تجاه آرائنا.
إن أي كشف علمي هام كثيرا ما يرتكز على الطعن والتكشيك بما كان يعتقد أنه “يقينياً”.

(5) الدقة والتجريد:
حيث اللغة العلمية لغة دقيقة وتحدد بدقة كل ما هو غير دقيق وتعتمد في ذلك على لغة الرياضيات كالنسب المئوية، كما أنها لغة تجريدية؛ تجرّد الظواهر المادية الملموسة إلى مفاهيم ورموز وإشارات لتوسيع نطاق البحث وفتح عوالم جديدة ممكنة في كل دراسة.

لماذا نصلي؟ .. الصلاة بوصفها وسيلة لإعادة بناء العالم

انتهينا في التدوينة السابقة بسؤال : لماذا نصلي؟ بعد أن وعدنا أنفسنا بأن نفكّر من جديد بهذا السؤال ..
في تلك الفترة حينما بدأت أصلي … زارني أحد أقاربي … وعندما علم بأنني صرت أصلي، فاجأني بسؤاله : لماذا تصلي؟؟
للوهلة الأولى شعرت بأني أمام حزورة غريبة،كنت قد بدأت أصلي ولم يكن هناك سبب لذلك حاضر بذهني بوضوح وبقوة، وجاهز لأقدّمه حينما أسأل مثل هذا السؤال … لم أكن قد فكّرت “بمقصد” أو “هدف” من وراء الصلاة، لم أكن أعي تماماً ما هو “الدافع” وراء الصلاة ….
لكنني لربما تساءلت عن سبب سؤاله، فأنا أصلي والحمد لله، والأولى به أن يقنع غيري بأن يبدأ بالصلاة عوضاً عن “مثل هذه التفلسف” والمحاولات “الشريرة” لجعل موقفي ضعيف …
هكذا كان تفكيري …

أذكر تماماً أن قوله تعالى “إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَاباً مَوْقُوتاً” حضر إلى ذاكرتي ، فأجبت بأن “الصلاة فرض” … نعم هي فرض، فرض وكفى !!
ثم إن شيئاً عن “التوفيق والرعاية الإلهية” حضر بشكل أو بآخر إلى ذاكرتي، لكن بعد أن خرجت من قاعة الإمتحان!!

لكن مهلاً : ما أهمية الإجابة عن سؤال كهذا؟
الإجابة عن هذا السؤال (لماذا تصلي؟)، سوف تحدد سقفك، والذي بدوره سيحدد مقدار “نموك”وطولك، أو لربما الإجابة عن هذا السؤال ستنسف لك فكرة “السقف” من أساسها، وتطلق لك طموحك وآمالك إلى السماء …
الطريقة التي تنظر بها إلى الصلاة، فكرتك عن الصلاة، هي المسؤولة عن أثر الصلاة في حياتك، وتجلياتها وجدواها ..
ما تتوقعه من الصلاة، سيلعب دور البطولة في ذلك كله …
لا يمكن لمن لديه جواب ضعيف وهزيل حول (لماذا تصلي؟) أن تكون الصلاة هي عماد شخصيته وأداته الأولى في عملية التغيير الشخصي … ومن ثم الوسيلة الأنسب لإعادة بناء العالم !!! نعم لا تستغرب …. الوسيلة الأنسب لإعادة بناء العالم ….

دعونا نبدأ من جديد:
مالذي أجهض فكر النهضة!؟ (يتساءل البعض مالذي جاء بالنهضة إلى هنا؟) مالذي حدث مع النهضة؟ لماذا لم تحدث؟ لقد كان هناك مفكررون … وكان لديهم فكرهم وتنظيرهم حول النهضة، وقد حصلت الصحوة فعلاً، ولكن النهضة لم تحدث … بعد عقود طويلة من كتابات آولئك المفكرين حول النهضة … لم تثمر زراعتهم في نفوسنا كما كان يجب أن يحدث ….
يقول الدكتور العمري “ثلاثة أسباب رئيسية لذلك:
السبب الأول: أن فكر النهضة ركّز – غالباً – على محاولة زرع ما هو إيجابي، وإحياءه من النصوص الدينية، ولكن تجنب رواد هذا الفكر استئصال العوامل السلبية الموجودة، فكانوا كمن يضع بذوره الثمينة دون أن يعزق الأعشاب الضارة.
السبب الثاني: أن فكر النهضة آنذاك كان يعاني من هوة مزدوجة، الاولى بين النخب المثقفة (متعاطي هذا الفكر) وبين الناس خارج هذه النخب، فحتى الطبقة الوسطى والحائزين على تعليم جامعي لم يستطع فكر النهضة التغلل فيها أو حتى الوجود هناك (ولهذا أسبابه المعقدة)، الهوة الثانية بين الفكر والسلوك، أي أن النتاج الفكري للنهضة لم يحاول التوجه – غالباً – إلى تفعيل السلوك بما يتناسب مع هذا الفكر.
السبب الثالث: ان فكر النهضة لم يحاول الدخول إلى مشاكل الناس وهمومها، لم يدخل في رغيف خبزها وعرق مرقها وحليب ودواء أطفالها، الناس في البداية والنهاية تريد أن تعيش، ولا يمكن لومها على ذلك طبعاً، لذا كان لابد لفكر النهضة أن يلتحم بمعاناة الناس وتطلعاتهم … وهذا مالم يحدث، لم يفهم الناس أن حل مشاكلهم حقاً لن يكون إلا عبر تلك النهضة الشاملة … وكان هذا سبباً آخر …

ولكن ماعلاقة كل ذلك بالصلاة؟ ومما نتوقعه من الصلاة؟
“الصلاة هي تلك الحلقة المفقودة التي يمكن لها، لو وظفت في سياقها الأصلي، أن تجسر الهوة المزدوجة، الصلاة من حيث الشكل والمضمون تحتوي على تلك الخاصية التي تجعلها (وسطاً) بين الفكر والسلوك من جهة، وبين النخب المثقفة والطبقة الوسطى(على الأقل) من جهة اخرى.
الناس عموماً لن يهتموا بالنهضة ومفكريها إلا في حالات نادرة، لكنهم يهتمون عموماً بالشعائر، حتى لو أدوها كيفما كان، لكن الصلاة عموماً موجودة في حياتهم أكثر من أي شيء آخر، لذلك لو تمكنا من أن نبعث شحنة النهضة في الصلاة، من أن نملئ الصلاة بمعاني النهضة وقيمها، لو استطعنا – ولو بنسبة ما – أن نجعل من الصلاة بأشكالها وقوالبها تجسيداً لتلك النهضة لاستطعنا أن ننزلها من برجها العاجي، وجعلها أقرب للفعل.

الحديث عن بعث قيم النهضة في الصلاة ليس توظيفاً نفعياً للصلاة من أجل هدف مسبق هو النهضة، لكن البحث كما سنرى لاحقاً تمخض عن (منظومة نهضة) متكاملة ومترابطة وهو أمر يفوق قدرة أي أحد على التصنع، ويدخل في نطاق إعجاز هذا الدين، الذي بذلنا كا ما في وسعنا لخنق طاقاته وتقزيم آفاقه”

نعود مجدداً لنتسائل … لماذا نصلي؟؟ ….
أجوبة المؤسسة الدينية صاحبة الفهم التقليدي:
الصلاة ككفارة للذنوب ..
فكرة اسقاط الفرض ..
فكرة الصلاة من أجل الراحة النفسية ..
فكرة التواصل معه – عز وجل ..
هذه الاجوبة هي التي حددت أثر الصلاة في حياتنا ، وهو أثر معدوم حقيقةً … آن اﻵوان لننطلق إلى آفاق أخرى … تخبرنا بأن الصلاة هي وسيلة لإعادة بناء الفرد ومن ثم العالم .
في التدوينة القادمة إن شاء الله سنناقش هذه الأفكار …

كيمياء الصلاة … حينما تعجز المؤسسة عن فهم المعادلات المعقدة

كنتُ في الخامسة عشر من عمري حينما بدأت بالصلاة، قبل ذلك كنت أصلي الجمعة فقط، لا أعتقد أن يوماً كذلك يمكن أن ينسى، مدرس مادة التربية الإسلامية آنذاك حدثنا شيئاً ما عن الصلاة، كما قد يحدثك أي شخص عنها، حدثنا عن “الراحة” و “الطمأنينة” و “استمداد القوة” و “التوفيق” لا سيما أننا أمام امتحان الكفاءة الإعدادية ..
عدت من المدرسة وأنا أفكّر بكلامه، لا يمكنني نسيان ذلك المشهد … كنت أبدّل ملابسي في غرفتي التي يملؤها نور الشمس، كان حديثاً ما يدور في داخلي … لا أذكره للأسف … لكن الذي أذكره تماماً أنني حينما قررت أني سأصلي بدءاً من تلك اللحظة، شعرت بنور غريب يدخل إلى جوفي، ويملأني سروراً وسعادة، شعرت حقاً بأني قوي … قوي جداً … سعيد … سعيد جدا … نقي … نقي جداً ….

وبدأت السنوات تمر، وأنا أصلي، سنة،اثنتان، ثلاثة، أربعة … خلالها كثيراً ما تجاذبتني قوى الخير والشر داخل نفسي … أو كثيراً ما تغالبت خواطر الملائكة مع وساوس الشياطين كما ذكر الإمام الغزالي في إحياءه … صلاة الفجر كانت الأصعب … وحيداً كان علي أن أستيقظ … (وأن أحذر من “إزعاج” اﻵخرين) … وكما هو حال هذه الملايين التي تصلي، لم تغير صلاتي من حياتي شيئاً يذكر، نعم مع الوقت صرت أؤدي فرائضي في المسجد (وكان لهذا دوراً جيداً في تحسين بعض الامور على صعيدي الشخصي)، صرت أصلي النوافل، ولربما شيئاً من القيام أو التهجد في بعض الأحيان …. لكن يفترض أن الصلاة التي هي “عماد الدين” تحتوي على “مفعول” أكبر، وتأثير أهم وأعمق …. ولكن للأسف هذا الذي حصل معي …

وبدأت أعيد التفكير مجدداً ، في الصلاة وأهميتها وجدواها، وأثرها في حياتي …
لا أدري لما كان الشك حاضراً في حياتي بقوة … (ساحرص على أن يبقى)
ولأني صاحب تجارب سابقة في التخلي عن كل شيء حينما أشك به وبجدواه وبفاعليته مهما كان (كنت سأتخلى عن الإسلام مقابل إعتناق الوجودية في أحد مراحلي العمرية، حينما شككت بكل شيئ، لكن الله منّ علي وكان شكي طريقي نحو اليقين والإلتزام) بدأت نفسي تحدثني بالتخلي عن الصلاة …
لا لا … أو لأقل أنها قالت لي بأنه لا جدوى حقيقية من أدائها في المسجد، المنزل مكان جيد، وساحصل فيه على قدر أكبر من التركيز والخشوع …
لكني شعرت بأن ذلك ما هو إلا خطوة شيطانية أولى …

في ذات الوقت كنت قد اطلعت على تجارب البعض من ديانات أخرى، وعن أثر الصلاة في حياتهم …
وكنت أستغرب من هؤلاء الكفار والوثنيين الذين يتحدثون عن صلاتهم بكل تلك المعاني ، فيما صلاتي لا ترقى إلى عُشر ما يقولون …

بين مئات الأولوف من الكتب … كان هناك المئات التي تتحدث عن الصلاة، معظمها فقهي، حلال وحرام، ركن وشرط، مستحب ومكروه، تنزيهاً وتحريماً،المسح على الجوارب، القبلة …. كلها أحكام فقهية : افعل ولا تفعل ….
لن تجد سوى بعض الكتابات الصوفية التي تتناول الصلاة من جانب آخر … انها اللذة، والاتصال مع المحبوب، وحلاوة المناجاة … بعض تلك المعاني رائعة تستثير عاطفة القلب … لكنها لن تنعكس على شخصيتك !

وقفت المؤسسة مجدداً عاجزة عن تقديم أي شيء لي، عن تقديم أي إجابة لأسئلتي، عن الأثر والجدوى والفائدة الدنيوية من الصلاة، عن لماذا الوثنيون (ولا أعتقد أنهم يكذبون) يتحدثون عن صلاتهم وكأنها محرك نووي لأنفسهم، وعن أنها (بطريقة او باخرى) “عماد شخصيتهم”، بينما نحن الموحدون لا نشعر أن لصلاتنا معنى وأثر دنيوي … نعم هي فرض، وبطاقة للعبور إلى الجنة (كما أخبرونا)، وغسالة للذنوب، وراحة للقلب وووو …. لكن هذا كله كلام “ما بطعمي خبز” أقصد أن ليس له أي أثر على الصعيد الشخصي لكل واحدٍ منا … المؤسسة (التي لم أكن أعرفها بعد بل كنت أظن أنها هي ذاتها ديني الحقيقي) لطالما جعلت خواطر تجول في ذهني، كانت تلك الخواطر تنتقص من “ديني”، كنت آنذاك أعتبر أنها “وساوس شيطانية” وانها هي ذاتها التي سئل الصحابة عنها فأجابهم صلى الله عليه وسلم (ذاك صريح الإيمان) … لذا طردتها بقوة … ورجعت إلى إعتقادي إلى أنني انتمي لأفضل دين على وجه الأرض … فيما بعد أدركت أنه أفضل دين نعم، لكنها أغبى مؤسسة … وأصبحت قادراً على التمييز بين غبائها وجمودها وبين ديني الحقيقي وقيمه العالية …

نحن ما زلنا نعتبر أن المؤسسة الدينية هي ديننا الحقيقي … هذا الوهم، دفع الكثيرين إلى الإلحاد والتخلي عن دينهم بل وربما إتخاذ موقف معادي هو في الحقيقة ضد الفهم التقليدي للمؤسسة، ولو علم بعض من خدعوا بأن دينهم الحقيقي قد يختلف قليلاً أو كثيراً عن المؤسسة التي ينتقدوها لاتجهوا بنقدهم إلى الفكر التقليدي وليس إلى الدين …

نعود إلى موضوعنا ….
سمعت بأن الدكتور العمري (والذي كنت قد قرأت له كتابه الفردوس) لديه كتاب بعنوان (كيمياء الصلاة) وبأن هذا هو الذي أبحث عنه …
بعد درس الإنكليزي في ذلك اليوم … خرجت مسرعاً قاصداً المكتبة لأقتني “الكيمياء” …
ثم بدأت الحكاية …. مريول أبيض، كمامة، كفان لليدين … وهيا بنا إلى المخبر ….

يقول العمري:
“هذه محاولة (مختلفة) تنطلق من الإيمان بأن “هذا ليس كل شيء” بخصوص الصلاة ..
إنها محاولة لإثبات أن ما هو عماد للدين، يمكن أن يكون عماداً للشخصية .. وللفرد .. وللمجتمع .. وللحضارة ..
إنها محاولة لاسترداد الضوء من قلب العتمة .. ولبعث “الرسالة” في حياة كل منا ..
إنها محاولة، لكي نولد من جديد، إحدى ولاداتنا ..
لكني آمل هذه المرة، أن تكون هي (الولادة الأهم)؛ الولادة التي تحدث فرقاً في حياتنا، أفراداً، ومجتمعاً … أو على الأقل : شيء كهذا”

كثيرون تحدثوا عن الكيمياء … هنا هنا أيضا
وسأكتب أنا قصتي معها … رغم أنها مازالت في بدايتها
بينما ألقاكم في تدوينة أخرى … دعونا نفكّر مجدداً …. لماذا نصلي؟

ما أهمية أن يكون البرنامج حراً؟

(مشاركة لي نشرت في العدد الثامن من مجلة مجتمع لينوكس العرب)

معظم من يعلم ما هي البرمجيات الحرة (إن لم نقل كلهم) يسألون السؤال التالي :

ولكن لديّ برامجي بالفعل، وقد اعتدت على استخدامها، ثم إنني أستعملها بالمجان رغم كونها غير مجانية، وأشاركها مع أصدقائي، فلماذا أتحمل عناء استخدام برامج جديدة تقول أنها ستعطيني “الحرية” ؟

أولاً : لا تظن أنك قادر على الحصول على البرمجيات الإحتكارية (مثل Microsoft Office) بالمجان وإلى الأبد … تتجه الدول حالياً نحو تطبيق قوانين حماية “الملكية الفكرية” بشدة وبحزم، وسيأتي ذلك اليوم الذي ستُطبّق فيه هذه القوانين عندنا في سورية، وقد يكون التوقيع على عقد الشراكة الأوروبية يحمل شيئاً من هذا، لذلك فمن الأفضل أن تبدأ منذ الآن بالتعامل مع البرمجيات الحرة.

ثانياً : عندما تُطبّق قوانين الملكية الفكرية لا تظن أنك قادر على الإنتقال بين ليلة وضحاها لتصبح مستخدماً للبرمجيات الحرة. الأمر أصعب من ذلك، تحتاج إلى قسط من الوقت حتى تتعلم كيفية استخدام هذه البرامج الجديدة تماماً، كما أنه يلزمك المزيد من الوقت حتى تعتاد عليها، ناهيك عن الوقت الذي تحتاجه بحثاً عن الحلول لمشاكلك التقنية … الوقت الآن ملائم للبدء بالتدريج.

ثالثاً : هدف الشركات الإحتكارية مِن ترك ثغرات تُمكّن المخترقين من قرصنة برامجها هي تحقيق انتشار واسع لبرامجها في بلدان العالم الثالث التي لم تطبق بعد قوانين “الملكية الفكرية”، حتى إذا ما مرت عشرات السنوات واعتاد الناس في تلك البلدان النامية على استخدام هذه البرامج الإحتكارية، تقوم الشركات العابرة للقارات بالضغط على تلك الحكومات الموجودة في دول العالم الثالث لتطبيق قوانين الملكية الفكرية، في تلك اللحظة سيجد الناس صعوبة بالغة في تغيير برامجهم التي يستخدمونها (هذا ان كانوا قد سمعوا أصلا بوجود برامج حرة معظمها مجاني) وبالتالي سيضطرون – آسفين – لشراء تلك البرامج … في النهاية هناك أرباح خيالية للشركات العابرة للقارات بشكل إحتكاري …
كلما بكرت في تعلم واستخدام ونشر فكرة البرمجيات الحرة، كلما حققنا تحرراً أكثر من التبعية لتلك الشركات التي لا همّ لها سوى الإحتكار وإنهاك إقتصاديات البلدان النامية لتحقيق المزيد من التبعية لها في مجالات أخرى (سياسية وغيرها) ..

رابعاً : البرمجيات الإحتكارية لا تناسب الدول النامية على الإطلاق، الدول النامية – وسوريا منها – دول تطلع إلى النهضة .. والنهضة التقنية باتت أحد أهم جوانب النهضة في هذا القرن ولا يمكن لنهضة حقيقية أن تتم دون جانبها التقني … ولكن ما علاقة هذا بذاك ؟
البرمجيات الحرة هي السبيل الوحيد لأي نهضة تقنية نحلم بتحقيقها، والنهضة التقنية جزء لا يمكن من دونه قيام أي نهضة لمجتمعاتنا مهما حاولنا … الحوسبة دخلت في عمق حياتنا … وما عاد يمكن الإستغناء عنها …
لكن لماذا البرمجيات الحرة قادرة على تحقيق نهضة تقنية ؟
البرمجيات الحرة تتيح للعموم الكود المصدري لها، وبالتالي يمكن للمبرمجين في الدول النامية تطوير هذه البرامج بما يلزم احتياجاتهم هم وبيعها بسعر معقول يتناسب ودخل المواطن في تلك البلدان وعدم انتظار الشركة الأم لتقوم هي بالتعديلات على البرنامج وبأسعار خيالية جداً وإبقائها للمستخدم في حالة تبعية مستمرة لتحديثاتها وترقيعاتها … والمستخدم سيدفع المزيد والمزيد مقابل الفتات …
هذا كله يرهق إقتصاديات الدول النامية ويمنع من أي نهضة حقيقية أن تقوم.

خامساً : لن نضطر إلى إعادة إختراع العجلة في كل مرة نصنع بها سيارة، وهذا يعني أن توافر الكود المصدري للعموم يجعل من الأفكار والشيفرات تتمتع بميزة “التراكمية”. في المنتج المغلق المصدر (أي الإحتكاري) أنا لا املك أي مادة خام، وبالتالي عندما أكتب كود محرر نصوص فسأبداً من الصغر، وفي كل مرة سيفكر أحد بكتابة كود محرر نصوص سيبدأ كذلك من الصفر، أما في البرمجيات الحرة فهناك العديد من الشيفرات المصدرية ولا داعي لأن أبدأ من الصفر كل ما علي فعله هو إضافة أفكاري وتطويراتي على الكود الموجود أصلاً، وهكذا يساهم الجميع بالمزيد والمزيد من التحسين على الكود وتتراكم المعارف والأفكار ، وهذا يضمن أيضاً تطور للبرمجيات الحرة أسرع بكثير من تطور البرمجيات الإحتكارية، إذ كانت الثانية تبدأ من الصفر دائماً والأولى تبدأ من حيث إنتهى الآخرون.

سادساً : البرمجيات الحرة تتيح مجالاً واسعاً لدعم اللغة العربية، فتوافر الكود المصدري للعموم، يتيح لنا وبسهولة دعم اللغة العربية في البرامج بل وتعريب واجهات هذه البرامج وإضافة كل ما يحتاجه المستخدم العربي من ميزات، أنا هنا لا أتحدث عن “إمكانية” فعل ذلك، لكن هناك مجموعات وفرق برمجية تقوم فعلاً بتعريب البرمجيات الحرة … فريق “عرب آيز” على سبيل المثال، وجهودهم في هذا المجال جبارة حقيقةً.

أسباب شخصية لإستخدام البرمجيات الحرة:

أولاً : أعود لأذكّرك بأن الحرية تتضمن نشر الكود وإمكانية الإطلاع عليه، بخلاف البرامج الإحتكارية التي هي أشبه بالصندوق الأسود .. لا يمكن لأحد على الإطلاق أن يقدّم لك ضمان يكفل بألا تحتوي البرمجيات الإحتكارية التي تستخدمها على هاتفك النقال وجهاز الحاسب لديك أجزاء تجسسية، يمكن بسهولة أن يُتجسس عليك. مايكروسوفت ويندوز يتجسس على المستخدمين ، على سبيل المثال ، يرسل الكلمات التي يبحث المستخدم عنها في ملفاته الخاصة ، وما هي البرامج الأخرى المثبتة . ريل بلير (RealPlayer) يتجسس أيضا ، إنه يرسل ما يشغله المستخدم . الهواتف المحمولة مملوءة بالبرمجيات غير الحرة ، والتي تتجسس. الهواتف المحمولة ترسل إشارات موضعة حتى عندما تكون ‘مغلقة’ ، يمكن للعديد أن يرسلوا موقعك العالمي الدقيق سواء رغبت أو لا ، وبعض النماذج يمكن تشغيلها عن بعد كأجهزة تنصت. لا يمكن للمستخدمين إصلاح هذه الميزات الخبيثة لأنهم لا يملكون السيطرة عليها.
الطريقة الوحيدة للتأكد من أن برمجيتك تعمل لأجلك هي بإصرارك على البرمجية الحرة/المجانية. وهذا يعني أن المستخدمين الذين يحصلون على الشفرة المصدرية ، أحرار في دراستها وتغييرها
بإختصار : خصوصيتك وأمن بياناتك وأمنك الشخصي بأيدٍ امينة مع البرمجيات الحرة. ثق بذلك

ثانياً : في حال كونك مبرمجاً، تعتبر البرمجيات الحرة البيئة الأمثل لتنمية قدراتك وإمكانياتك، بإستطاعتك الإطلاع على الأكواد المصدرية لمئات الآلاف من البرامج، يمكنك المساهمة في تطوير أضخم المشاريع البرمجية الحرة بعد ذلك، كل هذا سيصقل مهاراتك وسيزيد من خبرتك ومعارفك، وستغدو عملةً نادرةً مطلوبة في السوق البرمجية، هذا أيضاً سيؤدي إلى رفع مرتبك في حال كنت مبرمجاً في إحدى الشركات (الحرة بالطبع!) ..
بإختصار : البرمجيات الحرة أفضل بيئة للمبرمجين والمطوّرين.

ثالثاً: استخدام البرمجيات الحرة يعزز فيك أسلوب الحياة الذي يعود بالنفع على المجتمع ككل، لأن الكل قادر على الحصول على البرنامج، الجميع قادر على الإطلاع على الكود المصدري، الجميع متاحة لهم الفرصة للمشاركة بتطوير هذه البرمجيات … تلك الميزات غير محصورة بفئة معينة بالمجتمع، لا مكان لـ “كهنة التكنولوجيا” في مجتمع البرمجيات الحرة … التعلم متاح للجميع ولا يحق لأحد إحتكاره. إن إستخدام البرمجيات الحرة ومشاركتها مع أصدقائك ستعزز فيك هذه الروح.

رابعا: كما قلنا سابقاً فمعظم البرمجيات الحرة مجانية، وحتى ان اردت تشغيل برنامج حر مدفوع الثمن فإن سعره سيكون معقول جداً، أو يمكنك الحصول عليه مجاناً من أي صديق قام بشرائه .. البرمجيات الحرة تعتبر خيار مجدي إقتصادياً سواءاً على مستوى الأفراد أو المدارس أو الجمعيات الخيرية أو حتى الحكومات.

خامساً : البرمجيات الحرة أكثر إستقراراً، وهذا مشهود بالتجربة، نظام التشغيل جنو لينكس (وهو أحد أكثر البرمجيات الحرة شيوعاً) أكثر إستقراراً من نظام التشغيل ويندوز، جنو لينكس مفتوح المصدر، وبالتالي فإن المئات والمئات من المبرمجين حول العالم يعملون وبإستمرار على تطوير النواة والبرامج الملحقة، إن وتيرة تطور البرمجيات الحرة أسرع بكثير من وتيرة تطور البرمجيات المغلقة (معظم البرمجيات الحرة (بما فيها النواة لينكس) تقدم إصدارة جديدة كل ستة أشهر) مما يجعل النظام أقل أخطاءً وأقل بعدد الثغرات وبالتالي أكثر إستقراراً، علاوةً على أنك ستنسى كل مشاكل الفيروسات وأحصنة طروادة وملفات التجسس عند إستخدامك لنظام تشغيل حر مثل جنو لينكس، إنه يعتبر أفضل نظام من حيث الآمان على الإطلاق.

سادساً : سهولة الإستخدام : ليس فقط للمستخدمين العاديين بل وحتى للمبتدئين، البرمجيات الحرة (مثل نظام التشغيل جنو لينكس) سهل التعامل (أقول هذا لأن هناك خرافة منتشرة تقول أن لينكس صعب وللمحترفين فقط)، لأنك في عالم حر فلن تسمع بعبارات كنت تسمعها حول البرامج الإحتكارية مثل “أسرار وخفايا ويندوز إكس بي” مثلاً أو “ما لا يعرفه الكثيرون عن ويندوز فيستا” .. مع البرمجيات الحرة لا يوجد أسرار ولا خفايا، لست بحاجة إلى سنوات طويلة من التعامل حتى تتقن هذا الذي “لا يعرفه الكثيرون”.

سابعاً : دعم حسب الطلب، كمستخدم عادي فعندما تتعامل مع البرمجيات الحرة، فإنه بإنتظارك مجتمع معرفي يؤمن بأن المعرفة من حق الجميع وبالمجان ومن دون قيود ومن دون إحتكار و بقطع النظر عن أية إعبارات دينية أو عرقية أو أيديولوجية. على الأقل، باللغة الإنكليزية، فهناك ألوف الدروس المجانية ودروس الفيديو، والمنتديات، والمدونات، ومواقع الدعم، وموسوعات الويكي، والدورات وحلول المشاكل ومستندات (كيف يمكن أن … ؟) وكل ذلك يلبي إحتياجاتك تماماً، في اللغة العربية، وإن كان على مستوى أقل، لكن هناك العديد من الصروح الضخمة التي تقوم على خدمة المستخدم العربي للبرمجيات الحرة، أكتفي الآن بذكر “مجتمع لينكس العرب”.
وفي حال كونك مديراً لشركة فهناك دعم فني، مدفوع الثمن، عالِ الجودة، يؤمّن إحتياجاتك ويحقق رغباتك.

ثامناً :مناسبة للأجهزة ذات الموارد المنخفضة، إن البرمجيات الحرة (على إختلاف أنواعها وبدءًا من نظام التشغيل حتى حزمة أدوات المكتب) لا تتطلب الكثير من المواصفات العالية على خلاف البرمجيات الإحتكارية التي مواكبتها تتطلب تحديث العتاد الصلب وباستمرار.
وحتى مع أقدم الأجهزة على الإطلاق ستجد كل ما ترغب به من برامج ونظم تشغيل تلائمه، بدلاً من رمي الأجهزة القديمة يمكنك تفعيلها من جديد (وبشكل حقيقي) مع البرمجيات الحرة

تاسعاً: تعمل على أكثر من منصة تشغيل، إن الغالبية العظمى من البرمجيات الحرة يمكنك الحصول على نسخ منها مخصصة لنظام التشغيل ويندوز وأخرى لنظام لينكس ونسخ مخصصة للماك وهكذا ..
في حال كنت تعمل على أكثر من نظام تشغيل فهذا لن يعني مع البرمجيات الحرة اختلاف بيئة العمل كليا كلما بدلت بين النظامين، يمكنك استخدام ذات البرامج على كليهما.

الهوية العربية في بحر التغريب المتلاطم … الحاجة إلى ألواح ودسر

في عددها الصادر مؤخراً (612)، طرحت مجلة العربي أزمة الهوية في “حديث الشهر”، وهو مقال شهري يكتبه رئيس تحريرها الدكتور سليمان العسكري، يتناول فيه بعض قضايا الفكر ..
وعلى الرغم من اختلافي مع الدكتور في بعض اﻵراء التي طرحها إلا أن مساحة الإتفاق بيننا فيما أورده أكبر من الإختلاف ..

المقال – وهو على ستة صفحات – كان بعنوان “الهوية العربية بين سندان التغريب ومطرقة التطرف”، وانطلق الدكتور العسكري من تدخل بعض القوى الإقليمية – تركيا وإيران – في حل المشاكل العربية، طمعاً في تحقيق مصالحها الخاصة ليقول: (لا داعي لقراءة الإقتباسات لمن قرأ المقال كاملاً):
“عندما تتلاشى هوية شعب، فإنه يفقد مكوناً رئيسياً من مكونات قوته، كما أنه يفقد أيضاً قيمه الأساسية”.

“ومن مظاهر تلاشي الهوية العربية خلال السنوات الأخيرة، ظاهرة إهمال الإهتمام باللغة العربية على مستويات عدة (…) ومن البديهي أننا لسنا ضد تعلم اللغات الأجنبية، لكننا ضد انتشارها على حساب لغتنا الأم، أو لحساب طمس هويتنا الثقافية”
وتحدث الدكتور بعد ذلك عن دور وسائل الإعلام في الترويج لللهجات المحلية (في نشرات الأخبار مثلاً) وإصدار صحف باللكنات العامية، ثم يقول :

“إن العرب لن يمكنهم أن يحققوا أي تقدم في مجال التنمية والنهوض إلا إذا انتبهت الدول العربية جميعاً إلى أهمية وضرورة بذل الجهد في سبيل استعادة الهوية العربية المستباحة، وتأصيل الإحساس بهذه الهوية عبر مخططات ثقافية موجهة واستراتيجيات بين الجهات الإعلامية العربية (…) والإهتمام بمجموعة العناصر التي تنمي الإحساس بالهوية العربية لدى جماهير الشباب في المنطقة العربية، وبينها برامج توثيقية مصنوعة جيداً، وشائقة عن اهم رموز الثقافة والأدب والعلوم والموسيقى العرب، وعن التاريخ العربي القديم والمعاصر”.

وعرّج العسكري على ظاهرة “العربيزي” وخلط الكلمات اللاتينية بالعربية والكتابة باللهجات العامية في الكثير من المدونات العربية ورسائل التواصل بين الشباب، ويعود ليؤكد:
“إن العرب لن يتمكنوا من تحقيق أي تقدم (…) إلا إذا انتبهوا إلى ضرورة بذل كل الجهود في سبيل استعادة الهوية العربية المفقودة، وتأصيل الإحساس بهذه الهوية عبر مشروعات ومخططات ثقافية موجهة واستراتيجيات بين الجهات العربية (…) واستعادة الثقة لدى الجماهير بثقافتها وقيمها الحضارية والإنسانية. إن جانباً أساسياً من تسهيل تحقيق مخططات طمس الهوية لدى الجمهور العربي يعتمد على إفقادهم اليقين بثقافتهم وإيهامهم بأن التقدم لن يحدث إلا إذا انتموا لثقافات أكثر تقدماً. وبالتالي علينا جميعاً إعلاماً ومؤسسات ثقافية، مواجهة تلك المخططات عبر الإهتمام بالتأكيد على أن التقدم ليس مرادفاً للثقافة الغربية والتخلي عن الثقافة الوطنية والقومية”

وأطمع هنا بأن يشاركني الحوار كل صاحب رأي على الكلام الذي أورده الدكتور، وعلّي أطرح الأسئلة التالية وأسوق بعض النقاط للإجابة عليها، وأنتظر منكم الإثراء:

(1) ماهي مجموعة العناصر التي دعا العسكري للإهتمام بها والتي تنمي الإحساس بالهوية العربية؟
(2) كيف السبيل لإعادة الثقة للجماهير بثقافتها وبأن التقدم والنهضة ليس سبيلهما التغريب؟
(3) كيف تعمق الشعور بالإنتماء العربي وبالهوية العربية بمن حولك؟
(4) كيف تناقش شخصاً سار وراء التغريب؟

وأورد بعض النقاط التي تدور في فلك الأسئلة السابقة:

 أن يسعى كل واحد منا لتحرير اللغة المحكية من جميع الكلمات الأجنبية الممكن التخلص منها واستبدالها باللفظ العربي القويم.
 الحفاظ على الهوية يبدأ في الإعتزاز بالهوية العربية الإسلامية، ودراسة تاريخ هذه الأمة دراسة قويمة، تستعاد فيها ذاكرتنا التاريخية المجيدة لبعث الامل في النفوس، و هنا أتحدث عن التاريخ الإجتماعي والعلمي أكثر من التاريخ السياسي والعسكري الذي لا تعرف المدارس غيره.
 الشعور بأهمية الذات وأن لدينا ما نقدمه للأمم الأخرى، وأن نسعى لذلك.
 استدعاء العناصر الثقافية التي تميزنا عن بقية الثقافات، والإبتعاد عن الذوبان في الرموز الثقافية الأخرى (وهو ذوبان لا يعرف معنى الإنتفاع بما عند الآخرين وإنما هو الإنبهار والذوبان والهوية الممسوخة).
 أن يعمد واحدنا لتقوية لغته العربية بدراسة كتاب مبسط في اللغة والنحو (من يقترح لي عنوان للدراسة؟).
 أن يندفع كل من يرغب ويهتم في تعلم فنون الخط العربي لدراسة هذا المجال، فالخط العربي أحد العناصر الثقافية المميزة لنا.
 الإهتمام بالشعر الجاهلي قراءةً وفهماً، وقد يفكّر أحد من يدرس العربية أن يؤلف كتاباً في هذا.
 العودة إلى أمهات كتب التراث العربي لتبسيطها بما يتناسب والعصر، فمعظمنا لا قدرة له على قراءة كتاب (كخزينة الأدب) مؤلف من عشرة مجلدات تقريبا، وإذا هم بذلك أقعدته لغة المؤلف الصعبة (وهذا مجال طويل للبحث والمدارسة).

هذا بعض ما لدي في هذا الموضوع، بإنتظار مناقشاتكم وآرائكم … علنا نخرج إن شاء الله بمخطط عملي جماعي.

هل فات الأوان لتبدأ من جديد؟

(600 كلمة، أربعة دقائق مقدّرة)
هو عنوان لكتاب رائع، خفيف، سهل الهضم، سريع القضم …. عرضت فيه مجموعة من القصص ذات المغزى العميق، كل واحدة منها تتطلب تفكرا عميقاً بها، حتى ترسخ في العقل وتنعكس أثراً طيباً على السلوك …. مناسب جداً لقرائته في طريق السفر (قرأته على طريق حمص – دمشق)، أترككم مع مقتطفات منه وأفكار وردت به:
تأليف باسل شيخو

# للأسئلة قوة تؤثر على قناعاتنا.

# لا تقتل البعوض، ولكن جفف المستنقع.

# كان سائح يتمشى على شاطئ البحر خلال زيارة للمكسيك وقت الغروب، فلاحظ من بعيد رجلاً من سكان البلد ينحني ليلتقط أشياء من الشاطئ، ثم يرميها في المحيط .. وعندما صار السائح قريباً من الرجل، اكتشف أن ما كان يلتقطه المكسيكي هو نوع من حيوانات نجم البحر كانت مبعثرة على الساحل الرملي بأعداد كبيرة … وتملك السائح الفضول فسأل الرجل بعد أن ألقى التحية “هل لي أن أسألك عما تفعل؟”
أجاب الرجل “إنني أعيد نجوم البحر إلى مأوها في المحيط! فكما ترى، لقد تسبب إنحسار الماء بفعل المد والجزر في ترامي هذه الحيوانات المسكينة على الشاطئ، وستموت حتماً من نقص الأوكسجين ما لم تعد إلى بيئتها الطبيعية!”.
وتملكت السائح الدهشة وهو يسأل “ولكن هناك آلاف من نجوم البحر مترامية على هذا الشاطئ، وقد يكون هناك ملايين منها على طول سواحل أمريكا .. ألا ترى أن عملك هذا لن يغير من مصيرها شيئاً!؟”.
ابتسم المكسيكي وانحنى ليتلقط نجم بحر آخر، ثم يرميه في البحر قائلاً “لقد تغير مصير نجم البحر هذا بالفعل، أليس كذلك ؟!”.

# يروي الدكتور زكي نجيب محمود قصة ذات مغزى عميق جرت معه فيقول “لقد كنت ذات يوم أنظر مع صديقتي إلى ألعاب بهلوانية أجاد فيها اللاعبون، حتى إذا ما فرغوا من ألعابهم، صفق الناس تصفيقاً يمزق في الأكف جلودها .. لكنني جلست ساكناً لم أصفق”. فسألتني صديقتي “لاذا لا تصفق مع الناس؟”. فأجبتها قائلاً “إنها خبرة السنين”.

# الحاجات المشبعة لا تشكل حافزاً.

# لا تنسى أهمية أن تنصت مطولاً إلى الصمت.

# القاعدة الأولى : لا تستسلم أبداً.
القاعدة الثانية تقول : لا تنسى القاعدة الأولى.

# لا تتجاهل حدسك.

# الإهتمام بالآخرين منطقة جوع نفسية.

# ستأخذ صدى ما تعطي.

# آمن ما تكون السفينة وهي راسية في الميناء لكنها لم تُبنَ لذلك.

# اكتشف ما خلقت لأجله ، اكتشف مواهبك:
نحن جميعاً قد حبانا الله تعالى بعض المواهب، على اختلافها من شخص لآخر، وجزء كبير من حياتك يدور حول اكتشاف هذه المواهب، ثم استخدامها وتوظيفها فيما يعود عليك وعلى الاخرين بالنفع العميم، وعملية الإكتشاف هذه قد تستغرق العديد من الأيام أو الأشهر أو السنوات فلا تيأس وتتراجع، وإن أول ما تتطلبه عملية الكشف هذه هو دراسة عميقة لما حققه المرء من إنجازات، وكذلك دراسة الإمكانيات والقدرات التي يتمتع بهاو التي مكنته من تحيقيق هذه الإنجازات.
وهذه الإنجازات عبارة عن عمل شعرت بمتعته وأنت تقوم به، ثم جعلك تحس في نهاية الأمر بعد أن أنجزته على الوجه الاكمل بشعور من الزهو والفخار.
إنه العمل الذي يثير مشاعرك ويهز كيانك هزاً، وتشعر معه بأنك قد قفزت إلى الأمام خطوة وربما خطوات، حتى وددت لو انك قمت بأعمال كثيرة مثله وعلى غراره.
هذا هو الإنجاز، وما أكثر الإنجازات التي يحققها المرء وهو غافل عنها، المرحلة التي حققت فيها هذا الإنجاز ليست مهمة، رأي الناس فيها غير مهم.

# من الملاحظ أن الناس ذوي الإنجاز العالي في الحياة عندهم ما يشبه الهوس بهدس معين، ولهذا تجدهم دائمي التفاؤل والحماس، وقد تبين انه بمجرد وضوح الهدف وضوحاً تاماً لا لبس فيه، فإن الإنسان تقفز إمكانياته قفرة إلى الأعلى، ويزاداد نشاطه ويتيقظ عقله وتتحرك دافعيته، وتتولد لديه الأفكار التي تخدم غرضه.

# يختم المؤلف كتابه بقوله : ما نفعني من الكتب قد ينفعك، ويذكر منها:
علم نفس النجاح : د.عبد اللطيف الخياط.
النجاح للمبتدئين : زيج زيجلر
ذروة النجاح : د.تيموثي تيلر + د. جيمس والدروب
لا تقل نعم، عندما تريد ان تقول لا : د. رامز زكي الزيات
الوقت في حياة المسلم : د. يوسف القرضاوي.
الحيل النفسية : نهاد درويش
من حرّك قطعة الجبن الخاصة بي؟ : سبنسر جونسون
الإنسان وعدالة الله في الأرض : د.محمد سعيد البوطي

السلام عليكم

هل من حقك الإحتكار تحت مسمى “الملكية الفكرية” ؟

(ليس أكثر من أربعة دقائق، الوقت المقدر لقراءة هذه التدونية)

تحدثت في التدوينة الماضية عن المحتوى الحر بشيء من الإيجاز، وهذه دعوة عزيزي القارئ لأن تنشر أعمالك كمحتوى حر. ان كنت تؤمن بأن من “حقك” أن تمنع اﻵخر من نسخ ما يريدون من مدونتك وترجمته والبناء عليه ( حتى مع نسبة الفضل لك ) فتنازل عن هذا “الحق” وساهم في تعميم المعرفة ومشاعة الثقافة للجميع ..
كما تحدثت أيضاً عن المحتوى غير الحر، ذاك الذي يقيدك بقرائتك للكتاب وحسب، مانعاً إياك من تصويره أو ترجمته أو حتى الإقتباس منه !!!
لماذا يفعلون ذلك ؟ هل من حقهم إحتكار الفكر والثقافة ؟ هل فعلاً سيخسر المؤلف أو الناشر مادياً من ترخيص الكتب كمحتوى حر؟ وإذا لم يكن الامر كذلك فهل من حقهم أن يمنعوا نشر الكتب كيفما نريد ؟؟ ولماذا ؟
هذا ما توقفنا عنده في التدوينة السابقة، فالنتابع :

حسناً لدي سؤال : من يقرأ الكتب المصورة، تلك التي يسمونها “مقرصنة” وتتجاوز “الملكية الفكرية” ؟؟
إن أكثر من 90 % منهم هم الأشخاص غير القادرين على شراء الكتاب أصلاً، بمعنى أن للكتاب الرقمي رواده وهم أولئك الذين لو لم يحصلوا على الكتاب بصيغته الرقمية لما كانوا سيشترونه لأن ذلك خارج نطاق قدرتهم المادية، وبالتالي فإن الحديث عن الكتاب الرقمي بوصفه يقلل مبيعات الكتاب الورقي هو كلام غير دقيق البتة.
إنني اليوم لأقف متأملاً في عشرات الكتب المصورة التي قرأتها، إنني لا أتخيل نفسي أبداً قادراً على شراء كل تلك الكمية، وبالتالي فإنه لو لم تتح لي فرصة لقراءة هذا الكتاب أو ذاك رقمياً فهذا لا يعني أنني سأخرج من جيبي نقوداً لأشتري الكتاب، هذا الأمر خارج قدرتي المادية بإعتبار أني طالب جامعي (لا أسحب دخلي الخاص) وأنني ألتهم الكثير والكثير من الكتب الأمر الذي يتطلب ميزانية خاصة جداً ليست لدي. قرائتي إذا للكتب الرقمية لم تجعلني أحجم عن شراء نسخها الورقية، أنا لا أملك ثمن هذه النسخ الورقية غالباً.

سؤال آخر : ماذا عن أولئك القادرين على شراء الكتب، ألا تدفعهم النسخ المصورة من تلك الكتب للإحجام عن شرائها ؟؟
لربما، لكنها نسبة ضئيلة لن تسبب تلك “الخسائر الإقتصادية الهائلة” و “خربان البيوت” الذي يتحدث عن أصحاب دور النشر.
في الحقيقة العكس ما يحصل، كثيراً ما يندفع أحدنا ليشتري أحد الكتب بعد أن قرأه رقمياً فوجده تحفة لا تفوت إقتنائها، المؤلف باولو كويلو (صاحب الخيميائي) تحدث أن مبيعاته – وبالتالي أرباحه – تضاعفت بشكل خيالي بعد ان نشر على موقعه النسخة الكاملة من روايته مجانا، هذا ما حدث معي أنا أيضاً، لقد طفقت أبحث عن رواية الخيميائي في المكتبات بعدما قرأتها رقمياً، الكتاب الجيد سيحقق مبيعات أعلى عند إنتشاره رقمياً. الكتب الرقمية لم تمنعني من شراء العديد من الكتب الورقية.

قد تقول : لكنك تمانع بالتأكيد من طبع الكتب (غير الحرة) في مطابع أخرى ونشرها ورقياً جنباً إلى جنب مع النسخة الأصلية، هذا حقاً سيسبب كارثة للمؤلف ودار النشر ؟؟
بصراحة : لا، لا أمانع ..
أريد أن أسأل : لماذا نتصور أنه في حال طبع الكتاب في دار نشر أخرى (مع ذكر اسم المؤلف الأصلي طبعاً) فإنه سينتشر بشكل خيالي في الأسواق وسيحقق مبيعات عالية جداً، بينما الطبعة الأصلية من الكتاب (التي أخرجتها دار النشر بالإتفاق مع الكاتب) ستكسد نسخها ؟؟ لماذا لا تخسر دور النشر الأخرى ؟؟
ستجيب : لأن الكتاب الجديد سيطبع بنفقات أقل، ليس بالضرورة من الورق الفاخر، ليس بالضرورة بتجليد فني مكلف، قد تقلل الألوان، (وهذا ما يحدث فعلاً ) وبالتالي أنت امام خيارين : كتابين في السوق بذات المحتوى مع اختلاف جيد في السعر، بالتأكيد ستتجه نحو الأرخص، في النهاية أنت يهمك السعر بما أن المحتوى واحد، أليس كذلك؟
طبعاً، وأجيبك بسؤال : لماذا تطبع دور النشر كتبها بتكاليف باهظها ؟
تقول لي : لتربح .
مهلا مهلاً، وتأمّل في المعادلة التالية :
سعر زهيد للنسخة يحقق مبيعات ضخمة، سيجني أرباح تساوي تقريباً الأرباح من كتاب بسعر عالي يحقق مبيعات عادية …
الربح موجود في كلا الحالتين، لكن هناك إصرار عجيب على ضمان تكلفة عالية للكتاب …
لماذا لا تقوم دور النشر بطرح نسختين للكتاب : الأولى بإخراج فني عالي (البعض يرغب بذلك حقاً) والثانية كطبعة شعبية بأبخس الأثمان (ستحقق مبيعات فلكية وأرقام ربح طيبة)، بعض دور النشر تفعل ذلك، لكنه أمر غير منتشر للأسف … بهذه الطريقة لن يكون هناك فرصة كبيرة لإخراج طبعة اخرى من الكتاب من قبل دار نشر أخرى لأنها لن تجد شيئاً مميزاً لتقدمه ، لكن بهذه الطريقة نضمن عدم إحتكار المعرفة وإنتشارها على أكبر فئة ممكنة في المجتمع، الكثيرون يقولون بان العامل الإقتصادي أساسي عندما يسألون عن سبب عدم قرائتهم ….

هذا الكلام موجه لكل من يكتب ويؤلف، تخلوا عن “حقوق” لا تملكوها، لا تحتكروا المعرفة، ساهموا بنشر الثقافة وشيوعها، انشروا كتاباتكم ورخصوها تحت محتوى حر. (الحمد لله رقمياً بدأ الأمر بالإنتشار، لكن من سيبناه من دور النشر ؟ ما رأيك بان تفتح واحدة تقوم على فلسفة الحرية ؟؟ جدياً ؟؟ أخلص نيتك وسيبارك لك إن شاء الله)

ماذا ستفعل اﻵن ؟؟؟