ثورة على الطغيان 3
نُشر 2011/12/06 Filed under: فقه الثورة | Tags: لحظة معاوية, وعاظ السلاطين, الفتنة بين الصحابة, الفتنة زمن عثمان, البوصلة القرآنية, ابن سبأ 10 Comments »قبل أن أبدأ، أحب أن أنبّه إلى أن النسخة التي بين يدي من كتاب البداية والنهاية لابن كثير، تحقيق دار إحياء التراث العربي، تعرض على الهامش الاختلافات بين رواية ابن كثير وبقية كتب المؤرخين مثل الطبري والكامل ومروج الذهب، وهذا يعني أنه يمكنني الإطلاع على مختلف الروايات والنقولات من ذات الكتاب ..
تركنا الثوّار في المرة الماضية عازمين على العودة إلى أمصارهم، لكن حصل ماهو خلاف ذلك .. لقد عاد ‘الخوارج’ مرّة أخرى إلى المدينة، فما الذي جرى؟ هذا هو سيدنا علي يسألهم : “ما ردكم بعد ذهابكم ورجوعكم عن رأيكم ؟ فقالوا: وجدنا مع بريد [أي ساعي بريد] كتابا بقتلنا.وكذلك قال البصريون لطلحة، والكوفيون للزبير. وقال أهل كل مصر: إنما جئنا لننصر أصحابنا.
وكان المصريون فيما ذكر، لما رجعوا إلى بلادهم وجدوا في الطريق بريدا يسير، فأخذوه ففتشوه، فإذا معه في إداوة كتابا على لسان عثمان فيه الامر بقتل طائفة منهم، وبصلب آخرين، وبقطع أيدي آخرين منهم وأرجلهم، وكان على الكتاب طابع بخاتم عثمان، والبريد أحد غلمان عثمان وعلى جمله، فلما رجعوا جاؤوا بالكتاب وداروا به على الناس، فكلم الناس أمير المؤمنين في ذلك، فقال: بينة عليّ بذلك وإلا فوالله لا كتبت ولا أمليت، ولا دريت بشئ من ذلك، والخاتم قد يزور على الخاتم، فصدقه الصادقون في ذلك، وكذبه الكاذبون. “
حسنًا دعونا نفهم قليلًا، الثوار كانوا عائدين إلى أمصارهم .. وهم في الطريق وجدوا غلام عثمان، راكبا على جمله .. فارتابوا بأمره ..
غريب هذا الساعي، يحمل كتابًا سريًّا من ‘عثمان’، لكنه يمشي بين الثوار، يقترب منهم، ويبتعد، حتى يثير شكوكهم ..
يفتشونه .. ويا للعجب، يجدون رسالة ‘سرية’ من عثمان تأمر والي مصر بتصفية قادة الثورة وعلى رأسهم محمد بن أبي بكر.
كيف يمشي هذا البريد بين الثوار وهو يحمل معه رسالة بتصفية قادة الثورة، وكأنه يرغب بأن ينكشف أمره!
يقول ابن كثير “وذكر ابن جرير أن الصحابة كتبوا إلى الآفاق من المدينة يأمرون الناس بالقدوم على عثمان ليقاتلوه، وهذا كذب على الصحابة، وإنما كتبت كتب مزورة عليهم”
أيضًا! .. كتبٌ مزورة على لسان الصحابة تدعو الثوار إلى العودة لقتل عثمان!!
من يفعل ذلك ؟ لعله ابن سبأ اللعين ؟ ولمصلحة من ؟
حسنًا .. عثمان وعدهم بالإصلاح والتغيير، لكنهم يكتشفون الآن رسالة بخط عثمان وختمه إلى واليه على مصر : قم بوأد الثورة وقادتها!
والكتاب مزوّر ومفترى لاشك، ومثله لا يخرج من سيدنا عثمان رضي الله عنه ..
لكن الثوّار .. جنّ جنونهم ..
عادوا إذن .. وعودتهم لا تشي بالخير هذه المرّة ..
ووقع حصار سيدنا عثمان، حاصر الثوار منزله رضي الله عنه قرابة الأربعين يومًا ..
تأزّم الموقف .. ولم يكن بالإمكان إصلاحه بسهولة ..
ماذا يريد الثوّار هذه المرة؟ سألهم عثمان وهو محاصر : “يا أشتر ماذا يريدون ؟ فقال: إنهم يريدون منك إما أن تعزل نفسك عن الامرة، وإما أن تفتدي من نفسك من قد ضربته، أو جلدته، أو حبسته، وإما أن يقتلوك. وفي رواية أنهم طلبوا منه أن يعزل نوابه عن الامصار ويولي عليها من يريدون هم، وإن لم يعزل نفسه أن يسلم لهم مروان بن الحكم فيعاقبوه كما زور على عثمان كتابه إلى مصر، فخشي عثمان إن سلمه إليهم أن يقتلوه”
التنحي أو الإصلاح (بالإقتصاص وعزل نواب الأمصار وتسليم مروان للثوار) أو القتل !يلا
لكن ماذا فعل مروان حتى يطالب به الثوار ؟ زوّر شيئًا مثلًا ؟
لنقرأ “وقد ذكر ابن جرير في تاريخه بأسانيده أن المصريين لما وجدوا ذلك الكتاب مع البريد إلى أمير مصر، فيه الأمر بقتل بعضهم، وصلب بعضهم، وبقطع أيدي بعضهم وأرجلهم، وكان قد كتبه مروان بن الحكم على لسان عثمان، متأولا قوله تعالى * (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا أو تقطع أيديهم وأرجلهم من خلاف أوينفوا من الارض ذلك لهم خزي في الدنيا ولهم في الآخرة عذاب أليم) * [ المائدة: 33 ] وعنده أن هؤلاء الذين خرجوا على أمير المؤمنين عثمان رضي الله عنه من جملة المفسدين في الارض، ولا شك أنهم كذلك، لكن لم يكن له أن يفتات على عثمان ويكتب على لسانه بغير علمه، ويزور على خطه وخاتمه، ويبعث غلامه على بعيره، بعد ما وقع الصلح بين عثمان وبين المصريين ، على تأمير محمد بن أبي بكر على مصر، بخلاف ذلك كله”
دعونا نسجل :
- ابن كثير يرى بأن مروان بن الحكم هو الكاذب المفتري على لسان سيدنا عثمان، استعمل خطه وختمه وغلامه وجمله !! والأهم أنه تأوّل آية في القرآن (سجّلوا ذلك بخطٍ عريض) في سبيل ذلك.
- مع ذلك يستخدم ابن كثير لهجة مخفّفة تجاه مروان، فيقول عنه ‘لم يكن له أن يفتات على عثمان ويكتب على لسانه بغير علمه ويزور على خطه وخاتمه ويبعث غلامه على بعيره’
لم يكن له سامحه الله وغفر له .. لِمَ فعل ذلك !!
- الأسوأ، أن أحدًا لم يسأل نفسه ، لم فعل مروان ذلك! وما مصلحته ومن دفعه لذلك ..
مروان كان يثني عثمان عن تطبيق الإصلاحات أو حتى الإعلان عنها على المنبر، ويشتم الخوارج ويطردهم .. ثم إن نائلة زوجة عثمان وعلي حذّرا سيدنا عثمان من الاستماع إلى رأي مروان ‘الذي لاقدر له عند الله ولا محبة’ .. ثم إن مروان يزوّر كتابا على لسان عثمان يأمر بقتل الثوار في أمصارهم، ويستخدم خطه وختمه وغلامه وجمله، ويتفق معه ليسير بين الثوار حتى ينكشف أمره .. ويزوّر كتبًا على ألسنة الصحابة لتأزيم الموقف أكثر
هل يصعب إذًا ألا يرسل مروان ببعض ‘المندسين’ إلى صفوف الثوار .. وهل صدق حدس نائلة عندما حذرت عثمان من أن مروان سيقتله!!
لا أدري .. لكن الذي أعلمه.. بأنه نائلة وعلي أقلعا عن نصح عثمان في الأيام الأخيرة من الأزمة كما رأينا في المرة السابقة ..
مروان انفرد هنا بسيدنا عثمان، وهاهم الثوار يصعّدون ويمنعون عنه الطعام والشراب طالبين منه التنحي .. فيجيبهم جوابًا .. سجّله التاريخ : “أما أن أخلع لهم أمرهم فما كنت لأخلع قميصًا قمصنيه الله” ويستشهد بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم له “إن الله لعله يقمصك قميصًا، فإن أرادك أحد على خلعه فلا تخلعه، ثلاث مرات”
قميص ! وتأويل لحديث رسول الله !
يستحضرني هنا قول أبي بكر “وليتكم ولست بخيركم” وقول عمر “قوموني بحد السيف” وأقارنهما مع قول مروان .. عفوا أقصد عثمان “ماكنت لأخلع قميصًا قمصنيه الله” !!
من أوحى بذلك إلى عثمان ؟ من أوّل له حديث رسول الله بأن القميص هو الخلافة ؟ من متى أصبحت الخلافة قميصًا لا يخلع (بل ويورث)!
بينما نحاول الإجابة على كل تلك الأسئلة يُقتحم منزل عثمان، ويقتل .. تتعدد الروايات حول هويّة القاتل وتختلف !! ربما واحدًا من الثوار ممن تعجل وطاش به عقله ؟! ربما مندس إستأجره أحدهم ؟ .. أحدهم؟!
دعونا نسجل ذلك كله .. وسنتابع لاحقًا إن شاء الله ..
المقالة جعلتني أحس بأنك وكيل نيابة أو محقق….:)
ما أقصده أنك تقدم فرضيات وسيناريوهات افتراضية تخلطها مع الروايات التاريخية وهو ما لا يمكن البناء عليه مالم يتم التحقق منه فالمتهم بريء حتى تثبت إدانته فالتحقيق وعمل وكيل النيابة يقوم على سوء الظن وربط الأحداث لجهة توجيه التهم والدفاع يقوم على تحسين الظن وتبرير الأفعال لكن القاضي لا يلتفت لهذا أو ذاك فهو يحسن الظن ولا يحكم مالم يثبت الفعل بدليل قطعي وبينة واضحة لا ظنية ولست أرى فيما نقله المؤرخون والمحدثون دليلاً قطعياً أن مروان بن الحكم (وهو من الصحابة أو التابعين المحدثين الفقهاء حسب كثير من أهل العلم) هو أساس هذه المؤامرة لكنه لا شك ساهم في تأليب الناس بتدخله كما ساهم غيره ومنهم ربما ابن سبأ وقد ذكره ابن كثير كذلك حين قال ابن السوداء في إحدى الروايات وهناك اطراف أخرى ربما لم يعلم بهم أحد من المنافقين الذين علمهم رسول الله وحذيفة بن اليمان ولم يكشفهم ولا شك انهم ازدادوا بعد حروب الردة والفتوحات لكن انقطاع الوحي سترهم ولا شك ان للشيطان دوراً في ذلك إذ يدخل بين الناس فقد حصلت خلافات حتى أيام الرسول صلى الله عليه وسلم بين الأنصار والأوس والخزرج
الفقهاء مثل القضاة يبنون أحكاماً قطعية بناء على نصوص قطعية أما الظنية فيختلف فيها رأي الصحابة والعلماء وغيرهم ولا تلزم أحداً ولا يبنى على دليل افتراضي
ملاحظة قول ابن كثير أو ابن جرير “ولا شك أنهم كذلك” هو دليل صحة حكم مروان وهو ما أجمع عليه أهل العلم أن الخارجين على عثمان فئة باغية أما القصاص فهل هو قصاص المفسدين في الأرض ففي ذلك نظر فهو مم يحق للحاكم تطبيقه لكنه لا يجب ومن تدعوهم بالثوار سيثبت فسادهم أو فساد من ورائهم لاحقاً فقد قتلوا علياً وطعنوا الحسن رضي الله عنه
بالعودة إلى فتنة قتل عثمان رضي الله عنه الخلاف كان بين الصحابة هل الأولى تهدئة الناس ثم الضرب على أيدي هؤلاء المفسدين وعقابهم بعد أن تهدأ الأمور وتمتص فورة الناس ونقصد الذين أثاروا العامة وزوروا الرسائل وهذا ما ذهب إليه سيدنا علي وجمع من الصحابة أم قصاصهم مباشرة قبل أن يستفحل أمرهم وهو راي مروان وغيره أيضاً، هذا الخلاف ازداد بعد قتل الإمام فالإمام الجديد سيدنا علي رأى تأجيل القصاص (لا العفو عنهم) بينما فئة أخرى من الصحابة رأت تعجيله منهم أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير وقد رجح العلماء صحة رأي علي رضي الله عنه وخطؤا واثموا من خرج عليه وأجمع الأئمة بعد هذه الفتن وغيرها مم ستأتي عليه على مفسدة الخروج على الحاكم حتى الجائر
على كل بانتظار المدونات القادمة حتى تتضح الأمور أكثر ولا تنسى ذكر قضية سيدنا أبي ذر كما قلت لك سابقاً فقد اتصل به الثوار لما كان بينه وبين معاوية وعثمان رضي الله عنهم جميعاً وكان له رد اعتبره الفقهاء لقطعيته
ما أذكره صديقي عن مروان من كتاب البداية والنهاية، صحيح لا يحمل درجة ‘الدليل القطعي’ لكنه ينسجم مع شخصية مروان المبنية على ‘الأدلة القطعية’ وسنى لاحقًا الأحاديث ‘الصحيحة’ التي تتحدث عن دور مروان في ذلك كله، إليك مثلا :
“لما بايع معاوية لابنه قال مروان سنة أبي بكر وعمر فقال عبد الرحمن بن أبي بكر سنة هرقل وقيصر وفيه أن عائشة قالت ردا على مروان كذب والله ما هو به ولو شئت أن أسمي الذي أنزلت فيه لسميته ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه فضض من لعنة الله ”
والحديث صحيح ..
وفي رواية أن مروان قال : هذا الذي قال الله فيه { والذي قال لوالديه أف لكما } الآية فبلغ ذلك عائشة فقالت كذب مروان والله ما هو به ولو شئت أن أسمي الذي نزلت فيه لسميته ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لعن أبا مروان ومروان في صلبه فمروان من لعنه الله
الذي يقلقني .. هو جدالنا عن مروان وابن سبأ والخوارج والثوار .. وكل هؤلاء لا يهمني … ما أريد أن أقوله وما أسعى لإثباته :
- الفترة الثانية من خلافة عثمان شهدت استغلال بطانته من بني أمية لصفاته الإيجابية مما أدى إلى تراكم أخطاء جسيمة
- هذا التراكم أدى إلى أزمة في المجتمع،أزمة حكم، أزمة ثقة .. سمها ما تشاء
- هذه الازمة تضرر منها شرائح كبيرة من أبناء الصحابة والمجتمع الإسلامي فكان لهم ‘مطالب محقة’
- بني أمية تعاملوا مع هذه المطالب بالبطش والاستبداد والنكران وتأويل النصوص الدينية لإخماد المعارضة
لا أريد نفي مؤامرة ابن سبأ لتخرج مؤامرة مروان إلى النور، ولا أمدح بالخوارج أو الثوار أو البلطجية سمهم ماشئت … ولا أذم في مروان ومعاوية …
لا اتحدث عن الأشخاص بالأصل … أتحدث عن مطالب الناس المحقة واستبداد بني أمية وتأويلهم للنصوص الدينية لخدمة هدفهم السياسي
المشكلة أنك لاتزال تفكر في قدسية الاشخاص :
مروان بن الحكم (وهو من الصحابة أو التابعين المحدثين الفقهاء حسب كثير من أهل العلم)
أن الخارجين على عثمان فئة باغية
ومن تدعوهم بالثوار سيثبت فسادهم أو فساد من ورائهم
أتحدث عن مبادئ وأسباب الأزمة وطريقة التعاطي معها وليس عن هؤلاء أو أولئك
بعيداً عن السياق التاريخي والبحث الذي تدونه أخي العزيز
ربما من المفيد التفكر فيما يلي
http://salahuldin.co.cc/index.php?option=com_content&view=article&id=115%3Aconspiracy&catid=39%3Arecomended&Itemid=62&lang=ar
لنتسائل بطريقة نقض الفرض :
لو أن مروان لم يكن صحابياً او تابعياً أو … أكان دفاعنا عنه او بالأصح عن طريقة تفكيره – فالسلسلة تناقش فكرة ومرحلة تاريخية شهدت أخطاء وليس اشخاص بحد ذاتهم – بهذه الحدة والصلابة في عدم خروجه عن جادة الصواب ؟؟
ربما قدسية المرحلة التي كان يعيشها كونه حضر النبي او اقرب العصور بعد النبي هي التي تحول بيننا وبين أن نرى مجردة من هالة الاشخاص وهالة المرحلة ..
هذا التساؤل يجب أن نطبقه على كل شخصية في هذه السلسلة تضاربت الأقوال حولها وحول مشاركتها بالفتنة حتى تعم الفائدة
والله الموفق
مشكور طريف ومشكور من يشارك
جميل جدًا ..
سؤال أضعه أيضًا بين يدي بقية القراء …
هلا بشير
أخي العزيز
ليست قدسية الصحابة أو الأشخاص ما يجعلين اقول ما أقول
أرجوا أن تصبر علي وتخرجني من هذه التهمة فلست مقدساً لأحد
فقد قلت “لكنه لا شك ساهم في تأليب الناس بتدخله” وأقصد تدخله الذي جانب فيه الصواب ربما
وقد قلت “رأت تعجيله منهم أم المؤمنين عائشة وطلحة والزبير وقد رجح العلماء صحة رأي علي رضي الله عنه وخطؤا واثموا من خرج عليه ” وفيمن خرج عليه معاوية ومروان وكثير من بني أمية كما فيهم كثير من الثوار لاحقاً
أما قولي (وهو من الصحابة أو التابعين المحدثين الفقهاء حسب كثير من أهل العلم) فطلباً للعدل في الرجل فهو وإن صح عنه ما ذكرت من أحاديث إلا أنه ككل البشر له أخطاء وله إيجابيات وقول عائشة موقوف في لعنة مروان فلا يؤخذ به خصوصاً أنها قالته في معرض الدفاع عن أخيها حتى وإن كان مروان هو المعتدي
العدل والحق يقتضي ألا نخرج من تضخيم دور ابن سبأ لنضخم دور مروان وتحميل بني أمية من الصحابة رضي الله عنهم جريرة فساد الأمة حتى يومنا هذا بسبب تحليلات افتراضية لا دليل ملموس على صحتها فادعاء تأويلهم للقرآن والأحاديث لهوى في نفسهم حديث عن النيات لا أخوض فيه
إن ثبت أن صحابياً خالف الشرع فلا يقول أحد أنه لم يخطئ فقد أخطأ عمر وأصابت امرأة وعمر هو أحد الشيخين لكن بشرط أن يثبت الخطأ دون لبس او وهم وإلا فالتماس العذر واجب واحترام الصحابة أوجبه رسول الله فنهى عن الخوض فيهم بغير وجه حق واتهامهم بما ليس فيهم وهذا مطلوب في جميع الناس مؤمنهم وكافرهم مصيبهم ومخطئهم وليس في الصحابة فحسب
صديقي أنت مؤمن بفكرة معينة وتريد أن تثبتها فكلما كلمتك تقول لي تقديس الصحابة وأنا لا أدافع عن أشخاص بل عن فكرة بسيطة: الأحكام تبنى على حقائق لا على افتراضات وتحليلات يغلب فيها سوء الظن على حسنه
حسن الظن والتماس العذر أيضاً ليس مختصاً بالصحابة فقط بل بكل المسلمين وحتى بغير المسلمين
بالنسبة للأزمة والتعاطي معها ستجد طريقتي التعاطي على مر العصور مثلاً رأى عمر عدم قتال المرتدين ورأى أبو بكر قتالهم وقد حدثت أخطاء أثناء قتالهم، رأى عمر قتل الأسرى ورأى أبو بكر والرسول افتداءهم ستقول لي المرتدون شيء والثوار أصحاب المطالب العادلة شيء آخر والجواب أنهم نزعوا البيعة وحملو السلاح وهذا يوجب حربهم لكن عثمان منع ذلك حتى لا يكون سبباً في قتل مسلمين وضحى بنفسه على أن لا يقتل
دائماً هناك من يرى الشدة وهناك من يرى اللين هناك من يرى الحوار وهناك من يرى الحسم
هل يختلف أحد في الحجاج وفي عبد الملك بن مروان ؟ نعم هناك من يدافع عن عبد الملك بن مروان إنصافاً له وهناك من يلعن الحجاج ويلعنه
إن كنت تريد شيئاً سريعاً في ذلك ففي برنامجه الأخير لخص عمرو خالد الآراء فيه وهذا هو منهج الاسلام الحق القول القسط حتى في أشد الناس ظلماً وبإمكانك أن ترجع لمراجع أخرى
حتى نختم النقاش الاختلاف بيني وبينك ليس على: هل يحق لنا نقد الصحابة أم لا؟
قالجواب نعم يحق لنا فلا أحد معصوم بشرط الإحاطة بكافة الجوانب والعدل في الطرح فالأحكام تبنى على حقائق لا على افتراضات وتحليلات يغلب فيها سوء الظن على حسنه
وبالتوفيق في التدوينات القادمة
“العدل والحق يقتضي ألا نخرج من تضخيم دور ابن سبأ لنضخم دور مروان وتحميل بني أمية من الصحابة رضي الله عنهم جريرة فساد الأمة حتى يومنا هذا بسبب تحليلات افتراضية لا دليل ملموس على صحتها فادعاء تأويلهم للقرآن والأحاديث لهوى في نفسهم حديث عن النيات لا أخوض فيه ”
يا صديق .. التحليلات هي نفسها الدليل ولا تحتاج إلى دليل، فإن اقتنعت بها فقد غدونا اثنين، وإن لم تقتنع بها فهذا أمر وارد جدًا
تحليل التاريخ يختلف عن إثبات قضية في المنطق الرياضي، ففي التاريخ تقدّم الكثير من القراءات والتحليلات، كلٌ منها يقنع شرائح من البشر، بينما منطق (1+1=2) يفرض نفسه على جميع العقول، وليس في التاريخ كما تقول ..
أنا لا أهدف إلى إقناع أحد بوجهة نظري التي تقول : بأن قريش قامت بتطويع الدين ليلائم السياسة مما انعكس (لاحقًا) واقعًا مرّا مازلنا نعيش فيه ..
أنا فقط أعرض وجهة نظري وتحليلها .. يهمني ان تكون مفهومة ..
الخطأ في الإجتهاد شيء، وتكميم الأفواه والتنكيل بالمعارضين وتطويع الدين لخدمة السياسة شيء آخر …
مجددا .. ربما لم تقتنع بكل ماذكرته إلى اﻵن .. المهم ان يكون واضحًا ومفهومًا ومسألة الإقتناع خارجة عن طاقتي
إذاً سأطرح النقاط الأخيرة في نقاشنا الماتع ثم أدعك تثبت فكرتك من خلال سرد بعض الحوادث التاريخية سائلاً الله لك السداد والبصيرة والتوفيق ولا داعي لمتابعة النقاش ما دمنا اختلفنا على جوهر الاسلوب فأنت ترى أن التاريخ ليس فيه (1+1=2) وأن أرى أن القضية قضية استنباط أحكام وهذه تبنى على حقائق لا على افتراضات وتحليلات يغلب فيها سوء الظن على حسنه
النقاط هي التالي :
1- لم يكن في تلك العصور شيء اسمه معارضة فنظام الحكم السائد عالمياً هو الحكم الملكي القائم على القوة والبطش وتوسعة النفوذ وتوزيع الإقطاعات وهناك أسر حاكمة وأباطرة وكسرى وولاة للعهد، والملك أو أصحاب الإقطاعات يملكون البلاد والعباد فجاء الاسلام بنظام جديد وفق البيعة والشورى أما المعارضة بمفهومها الحالي فهي بعد نشوء ما عرف بالجمهوريات والبرلمانات والأحزاب ومبادئ تداول السلطة والتنافس عليها أما الأصل في الإسلام فهو الزهد فيها إلا لمن وجد في نفسه القدرة عليها كقول يوسف عليه السلام فلا يستقيم قياس هذه على تلك ومرجعيتنا هي أحكام الإسلام الذي لم يحدد أسلوب اختيار الحاكم حتى يكون النظام الديمقراطي موافقاً للإسلام المناسب لكل زمان ومكان لكن الاسلام وضع شروط اختيار وأسس لمفهوم اختيار الناس لحاكمهم وفق مبدأ البيعة والشورى
2- في النظام العالمي السائد المحتجون إن حملوا السلاح يبادون أو يتم إخضاعهم للتاج الملكي بالقوة فالملك هو ولي النعمة ومالك البلاد والعباد
أما الاسلام فجاء بمفهوم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فجعل خير الجهاد ”كلمة” حق عند سلطان جائر وجعل الدين النصيحة لله ورسوله وأئمة المؤمنين وعامتهم لكن حرم الخروج المسلح على الحاكم وإن جار لحكمة بليغة هي وحدة الأمة وجعل نازع البيعة بعد عقدها الخارج على الإمام دون كفر بواح باغياً يحق للإمام محاربته وفق أحكام أهل البغي ومنها كما جاء أنقل عن الدكتور وهبة الزحيلي، من موسوعته الفقهية الفقه الإسلامي وأدلته – الجزء السابع أن يقصد بالقتال ردعهم لا قتلهم، ويكف عن مدبرهم، ولا يجهز على جريحهم، ولا يقتل أسراهم، ولا تغنم أموالهم، ولا تسبى ذراريهم، ولا يستعان على قتالهم بمشرك، ولا نوادعهم على مال، ولا تنصب عليهم الرعَّادات (المجانيق)، ولا تحرق عليهم البساتين، ولا يقطع شجرهم. والمعتمد في المذهب المالكي: أن للإمام أن يقاتل البغاة بالسيف والرمي بالنبل والمنجنيق والتغريق والتحريق وقطع الميرة (التموين) والماء عنهم إلا أن يكون فيهم نسوة أو ذراري، فلا نرميهم بالنار، ولا نسبي ذراريهم وأموالهم؛ لأنهم مسلمون. هذا للإمام العدل كعثمان رضي الله عنه ثالث الخلفاء الراشدين حسب رسول الله لكن لذلك تفصيل أيضاً أورده ابن العربي في الرابط الذي وضعته سابقاً وفيه في المسالة التاسعة : قال علماؤنا في رواية سحنون : إنما يقاتل مع الإمام العدل سواء كان الأول أو الخارج عليه ; فإن لم يكونا عدلين فأمسك عنهما إلا أن تراد بنفسك أو مالك أو ظلم المسلمين فادفع ذلك
3- على فرض أن رجلاً قام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بالكلمة فلم يستجب له السلطان بل اضهده أو أغراه فذكر ورغب ونفر فلم يستجب فما الحكم في هنا ؟ الجواب عند أبي ذر رضي الله عنه وأرضاه فلا تنسى أن تمر على سيرته أثناء بحثك
أخيراً أذكرك من باب التذكير ليس إلا وليس في ذلك اتهام أنك تخالفه فإني أحسبك من أحرص الناس على تنفيذ قوله تعالى : { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولا } . وقوله تعالى {يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراًمن الظن إن بعض الظن إثم} فالأصل في الناس أنهم أبرياء ووساوس الظن لا يصح أن تعرض ساحة البريء للاتهام. وقد قال النبي – صلى الله عليه وسلم -:” إياكم والظن فإن الظن أكذب الحديث “. (رواه البخاري وغيره).
أرجو أن تغفر لي إن كنت أزعجتك فإنما كان هدفي من النقاش الإفادة والاستفادة فجزاك الله خيراً على حسن الحوار وبذل الجهد في تحليل هذه الحوادث فلا شك أن هدفك الخير فأسأل الله لك السداد والبصيرة والتوفيق
[...] يومًا مضت منذ أن نشرت الحلقة الثالثة من هذه السلسلة، لذلك يطيب لي أن أقوم بعملية إنعاش [...]